اقتصاد

هل تعكس الليرة السورية واقع الاقتصاد أم تصنعه؟

يناير 16, 2026

هل تعكس الليرة السورية واقع الاقتصاد أم تصنعه؟

تُعامل الليرة السورية في الوعي العام بوصفها “المقياس النهائي” للاقتصاد، إذا تحسّن سعر الصرف قيل إنّ الاقتصاد تعافى، وإذا تراجع قيل إنّ البلاد تنهار. لكن هذا التبسيط أنتج مغالطة مزدوجة؛ لأنّ العملة ليست مجرّد رقم على شاشة، وليست أيضاً قوة سحرية تصنع الازدهار أو الفقر من العدم. 

الليرة في جوهرها عقد ثقة ووسيط تبادل ومخزن قيمةٍ جزئي، تتحرك ضمن شبكة مترابطة تشمل الإنتاج والتجارة والمالية العامة وتدفقات القطع الأجنبي وتوقعات الناس والشركات والأمن، إضافة إلى مصداقية السياسة النقدية وقدرة المؤسسات على ضبط السوق وتنظيمه. 

لذلك فإنّ سؤال “هل تعكس الليرة واقع الاقتصاد أم تصنعه؟” لا يجاب عليه بنعم أو لا، بل بفهم العلاقة التبادلية بين العملة والاقتصاد، فالليرة غالباً تعكس ما يجري في العمق، لكنّها في الوقت نفسه تستطيع تضخيم النتائج وتوجيه السلوكيات، فتتحوّل من مرآةٍ إلى محرّك ضمن شروط محددة.

الليرة مؤشر حساس… لماذا تعكس غالباً ما يحدث في الاقتصاد الحقيقي؟

اقتصادياً تفهم قيمة الليرة كسعر يتحدد بالعرض والطلب مع تدخل حكومي مباشر أو غير مباشر. الطلب على الليرة يقوى حين يثق الناس بقدرتها على حفظ جزء من القوة الشرائية، وحين ينشط الاقتصاد الحقيقي وتزيد الحاجة للتعامل بالليرة في الأجور، والتجارة، والضرائب، والرسوم. ويضعف الطلب حين ترتفع المخاطر ويبحث الأفراد عن التحوط بالدولار أو الذهب أو السلع المعمّرة، وحين تتراجع الثقة بالمستقبل وتصبح العملة المحلية مجرد ممر قصير قبل التحويل إلى أصل آخر.

بالمقابل يرتبط العرض بالكتلة النقدية والسيولة وطريقة تمويل العجز؛ فحين يتوسع العرض النقدي أسرع من نمو الإنتاج، تتراجع القوة الشرائية ويظهر التضخم، ثمّ تنتقل الصدمة عبر قنوات الاستيراد والطاقة والنقل والمدخلات لتعمّ بقية الأسعار.

بهذا المعنى، كثير من تقلبات الليرة ليس سبباً مستقلاً، بل إشارة مركّبة لاختلالات أعمق، مثل ضعف الإنتاجية، وتراجع الصادرات، واختناق سلاسل الإمداد، وارتفاع كلفة التمويل، أو ضغط على المالية العامة. لذلك يصعب فهم حركة الليرة دون قراءة الاقتصاد الحقيقي المتمثل بما الذي ينتجه؟ ما الذي يصدّره؟ ما حجم الاستيراد؟ وما هي قدرة السوق على توليد دخل حقيقي يقابل السيولة المتداولة؟

حين تتسع الفجوة بين النقد والسلع والخدمات، تصبح الليرة أول من يعبّر عن هذا الاختلال، ثم يلحق به مستوى الأسعار والأجور. هنا تتضح نقطة القوة في قراءة الليرة: أنّها تختصر الكثير من المعلومات في مؤشرٍ واحد، لكن نقطة الضعف أنّ هذا المؤشر قد يضلّل إذا قرأناه منفصلاً عن محركاته.

متى تصنع الليرة الواقع؟

رغم أنّ الليرة تعكس الواقع غالباً، إلا أنّها تستطيع في بيئات هشّة أن تتحوّل إلى عامل يصنع الواقع عبر قنوات انتقال سريعة. في اقتصاد يعتمد بشكلٍ واسع على الاستيراد المباشر أو غير المباشر، يتحول سعر الصرف إلى محدد تكلفة، أي ارتفاع في الدولار يرفع كلفة المواد الأولية والوقود والنقل والأدوية، ثمّ ينعكس سريعاً على أسعار الغذاء والخدمات، ومع ضعف المنافسة وارتفاع المخاطر، يصبح تمرير الزيادة إلى المستهلك أسرع من تمرير الانخفاض إليه، فتتجذر حالة لا تماثلية الأسعار، بمعنى ترتفع بسرعة وتتباطأ في الهبوط.

لكن الأثر الأعمق ليس فقط في الأسعار، بل في السلوك. فعندما تتذبذب الليرة بقوةٍ يتغير نمط اتخاذ القرار لدى الأفراد والشركات؛ حيث تتراجع الرغبة في الادخار بالعملة المحلية، وتزداد الدولرة السلوكية، ويتحوّل التسعير إلى عملات بديلة حتى لو كان الدفع بالليرة، وتصبح التجارة أقرب إلى إدارة مخاطر يومية بدل التخطيط والاستثمار. هذا السلوك يضغط على الليرة مجدداً، فتدخل السوق في حلقة تغذي ذاتها هي ضعف الليرة يرفع الأسعار، وارتفاع الأسعار يرفع طلب التحوط، وطلب التحوط يضعف الليرة أكثر.

في هذه المرحلة لا تعود الليرة مجرّد مرآة، بل تصبح مسرّعاً للأزمة، لأنّها ترفع عدم اليقين وتزيد تكلفة ممارسة الأعمال وتقصّر أفق التخطيط، فتتأثر الإنتاجية والاستثمار والتشغيل. وهنا يتشكل الفرق بين اقتصاد يستطيع امتصاص الصدمات، واقتصاد تصبح فيه العملة قناة لإعادة إنتاج الصدمة يومياً. وتصحيح المفهوم هنا، أن العملة لا تصنع الرفاه بذاتها، لكنها قادرة على تخريب شروط الرفاه حين تفقد الاستقرار والمصداقية.

لماذا يصبح سعر الصرف مؤشر ثقة بقدر ما هو مؤشر اقتصادي؟

العامل الرئيسي الذي يفسّر تحوّل الليرة من مؤشرٍ إلى محرّك هو التوقعات، ففي بيئات عدم اليقين لا ينتظر الناس صدور البيانات الاقتصادية كي يتصرفوا؛ بل يسبقونها بسلوك التحوط، لأنّ الخطر لديهم ليس فقط ارتفاع السعر، بل فقدان القدرة على التنبؤ. التوقعات هنا تبنى من 3 مصادر مترابطة: مصداقية السياسة النقدية، وإشارات المالية العامة (عجز وتمويله)، وإشارات السياسة العامة (وضوح القرارات، استقرار القواعد، ودرجة الشفافية).

إذا توقع الناس تضخماً أعلى أو توسعاً في تمويل العجز أو صدمات جديدة في الاستيراد والطاقة، تتوسع الدولرة السلوكية حتى قبل حدوث الصدمة، فتتحوّل التوقعات إلى واقع. وهذه هي الحلقة الأخطر، عندما تصبح السوق رهينة “الحدس الجمعي” لا لأساسيات الاقتصاد فقط، فيتضخم أثر الإشاعة والخبر السياسي والقلق الاجتماعي على سعر الصرف. وفي هذه الحالة قد لا يكفي تحسّن مؤقت في تدفقات القطع أو إجراء إداري طارئ لإحداث استقرار مستدام، لأنّ المشكلة ليست لحظة نقص في الدولار فقط، بل نقص في الثقة.

ولذلك فإن إدارة سعر الصرف كقضية أمنية أو معركة يومية ضد المضاربين تنتج نتائج محدودة ما لم تترافق مع بناء مصداقية عبر قواعد واضحة، وتواصل اقتصادي مفهوم، ومؤشرات منشورة، وسياسات قابلة للتوقع. فالسوق، في النهاية، لا تسعّر الحاضر فقط؛ إنّها تسعّر المستقبل كما تتخيله.

ما الذي يثبت الليرة فعلاً؟

إذا كانت الليرة تتأرجح بين كونها مرآة وكونها محرّكاً، فإنّ تثبيتها لا يتحقق بملاحقة الرقم وحده، بل بمعالجة جذور الاختلال عبر مسار متكامل من ثلاث رافعات مترابطة.

أولاً: رافعة الاقتصاد الحقيقي عبر رفع الإنتاجية والقدرة التصديرية وإحلال جزء من المستوردات حيثما أمكن، لأنّ العملة لا تستقر طويلاً دون قاعدة إنتاج تولّد دخلاً حقيقياً وطلباً طبيعياً على الليرة، ومن المهم توسيع سلاسل القيمة المحلية، وتحسين كلفة الطاقة والنقل، وتخفيف العوائق أمام المنشآت الصغيرة والمتوسطة، كلها إجراءات تقلّل الضغط على القطع وتخلق دورة اقتصادية أكثر واقعية.

ثانياً: رافعة المالية العامة عبر ضبط العجز وطريقة تمويله. العجز بذاته ليس عيباً دائماً، لكن تمويله بطباعة نقدية أو بسياسات توسع السيولة دون مقابل إنتاجي يجعل التضخم مساراً شبه حتمي، والتضخم هو الضريبة الأكثر قسوة على الأجور والطبقة الوسطى. لذلك تصبح إعادة هيكلة الإنفاق نحو أولويات قابلة للقياس، وتوسيع قاعدة الإيرادات بعدالة، وتقليص التسرب والفساد، شروطاً نقدية بقدر ما هي شروط مالية.

ثالثأً: رافعة الحوكمة والمصداقية، عبر شفافية في القرارات، وتوحيد القواعد قدر الإمكان، وتقليل الاستثناءات التي تخلق سوقاً موازية، وتقديم سياسة تواصل اقتصادي تقلل الإشاعة وتبقي التوقعات ضمن نطاق قابل للضبط. لأنّ العملة في النهاية ليست ورقة فقط، بل سمعة مؤسسات، فإذا اهتزت السمعة، اهتزت الليرة، وإذا تحسّنت السمعة انخفض طلب التحوط ولو ببطء. هنا تتضح نقاط القوة والضعف فالقوة حين تدار السياسة النقدية كإطارٍ متسق، والضعف حين تدار كسلسلة إجراءات متقطعة تخاطب السعر لا أسباب السعر.

الخلاصة أنّ الليرة السورية تعكس واقع الاقتصاد عندما تكون قراءة السوق مرتبطة بأساسيات الإنتاج والتجارة والمالية العامة، لكنّها قد تصنع جزءاً من هذا الواقع عندما تتحوّل إلى قناة لتضخيم عدم اليقين، فتؤثر في الأسعار، والسلوك، والاستثمار، والتشغيل. لذلك فإنّ استقرارها لا يتحقق بحراسة السعر وحده ولا بتجميل المؤشر، بل ببناء شروط الاستقرار عبر اقتصاد حقيقي قادر على توليد القطع، ومالية عامة تضبط العجز وتمويله، وسياسات واضحة ترفع المصداقية وتخفض التوقعات التضخمية. عموماً إنّ العملة ليست مجرّد أداة تبادل؛ إنّها عقد ثقة بين المجتمع والاقتصاد والمؤسسات، وكلما كان العقد واضحاً ومحمياً بالحوكمة والإنتاج، اقتربت الليرة من أن تكون مرآة مستقرة.

 

 

شارك

مقالات ذات صلة