آراء
مخطيءٌ من يعتقد أن الكلمات أوعية بريئة للحدث في إعلام زمننا هذا؛ إنّما هي أدوات حُكم تحريريةٌ تُقاس بالانحيازين الواعي واللا واعي، راسمة خطّا قطعيًّا بين المصداقية والتضليل. كانت أوكرانيا الدرس الأكبر؛ إذ جاءت لتكشف انحيازات الإعلام الغربي بالكامل، وتدمر سمعة مؤسسات صحفية كبرى، كانت وما زالت تتفاخر بتاريخ طويل من الموضوعية والحياد. أظنّ أنّ فضيلة الحياد المدّعاة لم يكن لها قواعد، وأنّ الصحافة الغربية سقطت أسيرة الحياد السلبي لعقودٍ طوال على أفضل تقدير. جاءت حرب أوكرانيا، ثمّ التغطية في ذات المؤسسات لاغتيال الزميلة شيرين أبو عاقلة في فلسطين، ثم الانخراط في سردية بيضاء صهيونية بالكامل في تغطية الحرب على فلسطين منذ أكتوبر ٢٠٢٣ لتقطع شك ذلك الخطّ باليقين.
في الحروب، وفيما سمّته الولايات المتحدة ”مكافحة الإرهاب“، وفي كلّ مساحةٍ رمادية تُدار فيها السياسة التحريرية أداة لإعلام الغرب، باتت الكلمة سلاحًا مرادفًا للصاروخ، وإن كان لها التأثير بذات قوته، فإنّ الكلمة أكثر دواما من أثره. لهذا لا تبدو مفارقة أنّ الإعلام الغربي، بتياراته الليبرالية والمحافظة في آنٍ معًا، قد طوّر قاموسًا كاملا لتطبيع أفعال لو ارتكبتها دولة غير صديقة لاستُخدمت الأوصاف والنعوت بالمروق والخروج عن القوانين والمواثيق الدولية.
خذ مثلًا كلمة ”اعتقال“ التي سُردت منذ اللحظة الأولى لعملية الولايات المتحدة ضدّ الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، والتي استُخدمت بكثافةٍ لوصف فعل الإمساك بشخصٍ خارج سياق اشتباك واضح، أو خارج ولاية قضائية واضحة، أو بعد عملية اقتحام لا يرافقها مسارٌ قانونيٌ مفهوم. التزم الإعلام الأمريكي والغربي بلفظة ”اعتُقل“، ”أُلقي القبض عليه“، أو ”احتُجز“. تبييض اللفظ، تقنيةٌ لطالما أوحت بشرعية الفعل، وعدم انطوائه على مخالفةٍ للقانون والمواثيق الدولية، بل وتصوير مادورو على أنّه مارق خارج العدالة، وأنّ الإدارة الأمريكية تعمل على إنفاذ القانون المحلي والدولي. لكن ما وقع فعلًا وبالقانون، بالقوة المسلحة الميدانية، وبمشهد عملياتي بامتياز هو ”اختطافٌ“ لرئيس دولة ذات سيادة، و ”الاستيلاءُ“ على حاويات نفط من مياهه الإقليمية والدولية.
ما حدث بالضبط ودون مواربة، هو نقل دولة شخصًا من مكانه في أرض لا تخضع لولايتها القضائية، واقتياده قسرًا إلى جهة احتجاز، ثمّ حرمان من الاتصال بمحام، والتحفظ في فراغ قانوني، والإخضاع لاستجواب خارج الضمانات الأساسية. الفارق بين ”الاعتقال“ و ”الاختطاف“ ليس لغويا، بل أخلاقيٌ وسياسي. إنّه الفارق بين فعل يمرّر كأنّه جزءٌ من نسق قانوني لإنفاذ العدالة، وفعل يُدين ذاته بمجرد لفظه.
الإعلام الغربي لم يختر ”الاعتقال“ اعتباطًا. إنّه يعرف تمامًا أنّ لفظة ”اختطاف“ تستدعي في ذهن القارئ سلسلة من الصور شاهدها العالم عيانًا؛ قناع، سيارة بلا لوحات، تهديد، فدية، جرم واضح. كلمة ”اختطاف“ لا تسمح للمتلقّي أن يبقى محايدًا. إنّها تفرض سؤال الشرعية فورا؛ من خوّل الفعل؟ بأيّ حق؟ وأين القانون؟ بينما ”اعتقال“ تشي بالعكس، تُعلّق سؤال الشرعية، وتمنح الفعل مهلة كي يتخفّى داخل سردية أكبر، من قبيل ”الأمن القومي”، ”الحرب على الإرهاب“، ”حماية المدنيين“، أو العبارة التي استخدمها دونالد ترمب وكبار المسؤولين الأمريكيين ”عملية دقيقة“.
هنا تعمل الهيمنة الأمريكية الغربية في رأيي كما تعمل اللغة؛ من رواية ”أنا أخرق القانون“ إلى ”أنا أُدير الاستثناء“. الاستثناء في القاموس الغربي ليس عيبًا؛ إنّه تقنيةٌ قانونيةٌ في ظروفٍ أمنية أو عسكرية حرجة. منذ عقود، تطوَّر قاموسٌ إعلاميٌ كامل لتغليف الاستثناء من بعد حرب البلقان. كانت الذروة في العراق ما بعد الغزو الأمريكي في ٢٠٠٣. تضاربت الروايات الغربية في فضيحة سجن أبو غريب. جاءت البداية في تسمية أبو غريب من ”سجن“ إلى ”مرفق“. وانسحب ذلك على كلّ شيء في تلك الرواية آنذاك؛ مرورًا ب ”التعذيب“ الذي قُدّم ك ”استجواب مُعزّز“ وصولا ل ”القتل خارج القانون“ بل وحتى ”الاستهداف بنية القتل“.
الفارق الجوهري في حالة مادورو بين ”الاعتقال“ و”الخطف“ هو ذلك بين الإدارة والجريمة. ”الاعتقال“ حوّل مادورو في الوعي الجمعي الغربي إلى ”هدف“، واستجوابه وزوجته إلى ”تحقيق“، والقرار بالعملية إلى ”إجراء“. الحيلة الأخطر في التضليل الإعلامي هذا هو إدارة مصطلحات الجريمة مكتملة الأركان كمصطلحاتٍ إجرائية قانونية، فيصبح الاعتراض على الجرم انفعالًا غير عقلاني أمام خبراء يديرون الملف، لأنّ التسمية كانت خطوة في منح الشرعية أو سحبها. حين تصطلح عليه بوصفه ”اعتقالا“، فأنت تستدعي ضمنًا منظومة إجرائية قانونية، من قبيل قوات أمن أو جيش في عملية قانونية تحكمها مذكرة اعتقال لمجرم مارق، لقاضٍ، لمحاكمة، لحقوق دفاع، لطعن قانوني وإلى آخره.
الإعلام الغربي مارس انحيازًا واعيًا هنا لأنّه يعرف تأثير الكلمة على البنية العاطفية والسياسية للقارئ. المصطلحات ليست وصفًا محايدًا؛ إنّها توجيهٌ للانفعال. تسمية الفعل ”اعتقالا“ تُبقي القارئ داخل مسافة باردة، بينما لفظة ”اختطاف“ تُخرج القارئ من البرود إلى المساءلة. الأدهى أنّ هذا الانحياز يعمل غالباً بالتوازي مع الصيغة المبنية للمجهول، ”قُبض على“، ”نُقِل“، ” احتُجز“. حينئذ تنطمس أسئلةٌ مشروعةٌ يتعين على الإعلام سؤالُها، من قبيل مَن الفاعل لهذا الفعل؟ من قرّر الفعل؟ من أعطى الأوامر؟ تتبخر الفاعلية السياسية داخل ضبابية لغوية، وكأنّ الأحداث تقع وحدها بدون فاعل. وحين يختفي الفاعل، تتراجع المساءلة، ويتحوّل العنف إلى طقسٍ إداري لعملية قانونية إجرائية.
قد يقول قائل إنّ لفظة ”اعتقال“ تُستخدم أيضا في سياق الحرب، في حالة الأسرى. صحيح، وهنا تحديدًا تكمن الخُدعة! ينسحب مصطلحٌ له شرعية في سياقٍ محدد؛ أسر مقاتل في ساحة قتال ضمن قواعد دولية، ويتمدَّد ليغطي أفعالًا خارج هذا السياق، من قبيل اقتحام بيت، أو خطف شخص من طريق، أو نقله عبر الحدود، أو احتجازه بلا تهمة، أو تقديمه لمحاكم استثنائية. اللغة تُهندس الالتباس كي تمنح الشرعية.
في المقابل، لاحظوا كيف يعمل القاموس نفسه حين يكون الفاعل غير غربي، تصبح الأفعال فجأة واضحة الاسم؛ ”خطف“، ”رهينة“، ”أسير“، ”انتهاك صارخ“، ”قمع“. لا نرى كلمة ”اعتقال“ حين لا تكون الراية أمريكية أو أطلسية. لا نرى ”عملية دقيقة“ حين لا يكون السلاح غربي. هنا ليس الأمر خطأ ترجمة أو اختلاف مدرسة تحرير؛ إنّه انتقاءٌ أخلاقيٌ لتوصيف الأفعال وفق هوية الفاعل.
هذا التضليل البيّن ليس تفصيلًا إعلاميًّا. إنه بنية من بنى القوة وبناء الروايات التاريخية. حين تُمنح دولةٌ حق تسمية أفعالها بألفاظ مشروعة، فهي تُمنح ضمنًا حقّ إدارة الاستثناء، وحقّ تحويل الانتهاك إلى سياسة. وهنا يصبح الإعلام شريكًا في إنتاجٍ واقع قانوني موازٍ، واقع يقول إنّ لكلّ فعل فاعل ينبغي أن يُحاسَب.
أكتب بين علامتي التنصيص لأنّ التنصيص ليس زخرفًا لغوياً. إنّه اعتراف بأنً الكلمة ملغومة. التنصيص هنا مقاومة صغيرة ضد ماكينة التطبيع مع الجرائم، حين تضع الكلمة بين علامتين، فأنت تقول للقارئ: انتبه! هناك شيءٌ غير مُسمّى باسمه. المعركة ليست على قاموس المصطلحات الإعلامية فقط، بل على ذاكرة تاريخية ومعيار أخلاقي، ما نتقبله وما نراه جريمة. كلّ مرّة نسمح فيها للفظة ”اعتقال“ أن تمرّ دون مساءلة في سياق لا يملك شروط الأسر القانوني، نمنح الهيمنة مساحة إضافية في وعينا الجمعي. وكلّ مرة نقول ”اختطاف“، نعيد الإنسان إلى مركز الحكاية.
المطلوب ليس لغة أكثر حدة، بل لغة أكثر صدقًا. والصدق هنا ليس أدبًا أو رفاهية لغوية؛ إنّه سياسة مضادة. لابدّ أن ندرك أنّ الهيمنة الإعلامية الأمريكية والغربية، حين تريد أن تسرد عمّن تراهم مارقين، فإنّها تُغيّر أسماء الأشياء. وما نحتاجه في هذا الزمن الذي يبيع الاستثناء ويتخلى عنه أخلاقيًّا، هو أن نُعيد تسمية العالم كما هو، بلا مُثَبِّط لغوي. في النهاية، لا شيء يفضح العنف مثل اسمه الحقيقي. والكلمات حين تُقال بدقة، قد لا تنقذُ المختطَف، لكنّها على الأقل تمنع اختطاف التاريخ.



