سياسة
لم تُختَتم الجولة الخامسة من المفاوضات الأمنية بين سوريا وإسرائيل في باريس “بابتساماتٍ دبلوماسية” بقدر ما انتهت بإعلانٍ ثلاثي نادر: الولايات المتحدة وإسرائيل وسوريا يقول إنّ النقاشات كانت “منتجة”، وإنّ هناك اتفاقاً على إنشاء آلية تنسيق مشتركة تحت إشراف أمريكي؛ وخلية اتصال لتبادل الاستخبارات، وخفض التصعيد العسكري، وفتح قنوات دبلوماسية، وحتى استكشاف فرص تجارية.
ليست هذه مجرّد تفاصيل تقنية، بل إشارة إلى انتقال الجنوب السوري من منطق “الغارات والردود” إلى منطق “الإدارة والضبط”، لكن تحت سقف أمريكي مباشر، وبكلفةٍ سيادية ينبغي أن تُقرأ برويّة.
من مفاوضات انسحاب.. إلى هندسة اشتباك.
المفاوضات التي بدأت في 2025 جاءت على خلفية التحوُّل السوري بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر/ كانون الأول 2024، مع هدفٍ مُعلَن يتمحور حول إعادة تفعيل اتفاق فصل القوات 1974 وترتيبات المنطقة العازلة/ المراقبة الأممية، مقابل مطالب سورية بانسحاب إسرائيلي من مناطق سيطرت عليها إسرائيل عقب ذلك التحوُّل، لكن الجولات السابقة، وفق ما نقلته تقارير متعدّدة، تعثرت عند “السقف”، فدمشق تريد انسحاباً وضمان سيادتها على أراضيها، وإسرائيل تريد ترتيبات نزع/ تقليص تسليح واسع وضمانات أمنية تتجاوز المنطق التقليدي لاتفاق 1974.
الجديد في جولة 6 يناير/ كانون الثاني 2026 ليس حلّ العقدة، بل تغيير طريقة التعامل معها، حيث إنّ إنشاء آلية مشتركة يعني أنّ الاشتباك لم يُنهَ، لكنه يُنقَل من قرارٍ ميداني سريع إلى قرار سياسي مُراقَب ومُجدول، أيّ أنّ هذا “تجميدٌ”، وليس “سلاماً”.
واشنطن لا “تتوسط”.. بل تمسك بالمفاتيح.
ما تفعله واشنطن أقرب إلى إعادة تعريف قواعد الاشتباك جنوب سوريا: تقليص هامش الحركة الإسرائيلية غير المنضبطة، وفي الوقت نفسه تقييد قدرة دمشق على تحويل الجنوب إلى منصة رسائل إقليمية مع احتفاظ الولايات المتحدة بحقّ التحكيم والتدخل عند أيّ ارتداد.
وليس تفصيلاً أنّ البيان الثلاثي خرج بصيغة تُحيل الفضل إلى “قيادة الرئيس ترامب” وتضع الآلية تحت “إشراف أمريكي”، فهذه صياغة تقول بوضوح: الضامن ليس الأمم المتحدة ولا فرنسا ولا ترتيبات 1974 وحدها؛ وإنما الضامن هو واشنطن.
دمشق: مكسب شرعية.. مقابل اختبار السيادة.
على مستوى الرمزية السياسية، يمنح هذا التطور الحكومة السورية الجديدة مكسباً مهماً: الاعتراف بها شريكاً تُناقَش مطالبُه وتُراقَب التزاماتُه، بدلاً من وضع “الطرف المتلقي” أو “المشكلة الأمنية” فقط، لكن المخاطرة كامنة في طبيعة الآلية ذاتها:
إذا تحوّلت خلية التنسيق إلى منظومة مراقبة دائمة تُدار أمريكياً، فستصبح “السيادة” في الجنوب اسماً بلا قرار كامل، والأخطر أنّ الآلية قد تُستخدم لاحقاً رافعةَ ضغط سياسي: كل ملفّ داخلي أو إقليمي قد يُربط بـ”التزام دمشق” داخل غرفة التنسيق.
إسرائيل: كبح القوة ليس ثقة.. بل حساب كلفة.
لا يعني قبول إسرائيل بآلية “خفض التصعيد” أنّها اطمأنت لدمشق، فقد أشارت عدة تقارير إلى أنّ الاتفاق يهدف أيضاً لتشكيل قناة تمنع الانزلاق إلى مواجهةٍ أوسع غير محسوبة، خصوصاً مع واقعٍ سوري جديد ومعادلة جنوب حساسة، وهنا تُقرأ إسرائيل بمنطق الحسابات المجرّدة:
الغارات المتكررة قد تُراكم كلفة سياسية ودولية، وتخلق “تآكلاً في الشرعية” بدل تعزيز الردع. أمّا آلية بضمانة واشنطن، فتشتري لإسرائيل وقتاً وضمانات، وتُبقي لها إمكانية الاعتراض داخل غرفة مُدارة أمريكياً بدل “مقامرة” ميدانية مفتوحة.
وبالمقابل، أيّ “تجميد” حقيقي لحركة إسرائيل سيبقى كما تقول الوقائع عادة مرهوناً بنوعية الضمانات الأمريكية وبمدى شعور إسرائيل أنّها لا تتخلى عن تفوقها الاستراتيجي دون مقابل.
وتبدو هذه المفاوضات في جزءٍ منها محاولة للتوصل إلى تفاهم بين الولايات المتحدة من جهةٍ وإسرائيل من جهةٍ ثانية، إذ تبدو المصلحة الأمريكية في سوريا موحَّدة مستقرة تحت قيادة قوية، تكفيها مؤونة الأزمات التي أرهقت المنطقة، وشغلت الإدارات الأمريكية المتعاقبة، واستهلكت منها جهداً ومالاً ووقتاً باتت تفضل ادخاره لملفات أخرى، على رأسها الصين.
أمّا إسرائيل فترى أنّ أمنها القومي لا يتحقّق إلا بانشغال أعدائها بحروب أخرى، وترى اللحظة مواتية لتجميد حالة الحرب الأهلية والتفكك في سوريا، التي ترى في شعبها عدواً أياً كان النظام الحاكم، لذا لم تكتفِ بتدمير معظم سلاح الجيش السوري، وبناه التحتية، بل باتت تسعى إلى تحريض الأقليات على الخروج عن سلطة الدولة الجديدة، وتعمل على النيل من هيبة هذه الدولة عبر القصف والتوغل المتكرر، وهدفها إدخال سوريا في تيه التقسيم إلى دويلات متناحرة تستقوي بها.
ويبدو أنّ الأرضية المشتركة بين النظرتين الأمريكية والإسرائيلية تتمثّل في تفريغ الجنوب السوري من أيّ قوات مسلحة، منعاً لأيّ مفاجأة على غرار السابع من أكتوبر، وضمان مراقبة تسليح الجيش السوري الجديد بحيث لا يشكل خطراً على الجيش الإسرائيلي أو طائراته، وفي نفس الوقت العمل على ترتيب مفاوضات السلام، في هذه الحقبة المواتية تماماً للمفاوض الإسرائيلي.
وتبقى الرؤية السورية في الوصول الى أكبر مدى من الهدوء كماً ونوعاً، ليتسنى لها توحيد البلاد بشراً وأرضاً، والعمل على إعادة الإعمار وتجاوز تبعات الحرب، لذا لا تجد سوريا مجالاً للتفاهم مع إسرائيل سوى بالتأكيد على النظرة الأمريكية، وإن لم تطابق رؤيتها.
“السلام الاقتصادي”: احتواء لا حل…
تتحدّث الفكرة عن منطقةٍ اقتصادية مشتركة واسعة تُقام على امتداد الشريط منزوع السلاح الحالي، لا بوصفها ترتيبات أمنية فقط، بل كبنية تنموية كاملة: طاقة رياح، خطّ أنابيب لنقل النفط الخام، مراكز بيانات، مصانع أدوية… ومعها تفصيل غريب، نجد فيه لمسة ترامب: منتجع تزلّج.
المفاجأة هنا أنّ الملف كان يُفترض أن يبقى أمنياً خالصاً بعد سنوات من الضربات الإسرائيلية واستمرار السيطرة على أراضٍ سورية، لكنّ المقترح يوحي بأنّ واشنطن ودمشق تريدان نقل العلاقة إلى مساحةٍ “أقرب من الأمن” دون أن تلغي الأمن فالمنطقة ستظلّ منزوعة السلاح.
الخطة، وفق ما يُطرح، تمنح دمشق مكاسب كبيرة: مالية ورفع القدرة الكهربائية وخلق فرص عمل، وفي المقابل، تراهن إسرائيل على تحويل شريطٍ عازلٍ قاحل إلى ممر اقتصادي يقلّل كلفة الحماية العسكرية على حدودها الشمالية. هذا “الاختلال” في المكاسب ليس جديداً تماماً على ترتيبات سلام سابقة؛ فمصر مثلاً استعادت سيناء وتدفقت عليها مساعدات وضمانات مقابل قبول واقع جديد، ومن حيث الشكل، يُتصور أن تكون المنطقة شبيهة بنماذج حدودية أوروبية دون ربطها رسمياً بانضمام سوريا إلى اتفاقيات إبراهام؛ ما قد يرفع فرص السلام لكنّه لا يضمنه.
الشق الاقتصادي الذي يُسوَّق له من منطقة حدودية بمشاريع طاقة وتنمية واستثمارات، ينسجم مع طرحٍ أمريكي يتكرّر من تخفيف التوتر عبر ربط الاستقرار بالمصلحة لا بالقناعة السياسية، فهو يرفع كلفة العودة للتصعيد، ويخلق شبكات مصالح تمنح الهدوء فرصة للاستمرار لكن إذا لم تُضبط الشروط.
تراجع روسي “صامت” … وتحول في مركز الثقل.
في الجنوب السوري تحديداً، كان الدور الروسي تاريخياً يُقدَّم كضامن موازن، أمّا الآن، فمجرّد خروج الترتيب بصيغة ثلاثية “واشنطن، دمشق، تل أبيب” يشير إلى انتقال مركز الثقل نحو المظلة الأمريكية.
هذا لا يعني اختفاء روسيا من سوريا، لكنّه يعني شيئاً أدق: “يُعاد تعريف الجنوب على أنّه مسرح أمريكي أولاً”، حيث تُدار التفاهمات الحساسة بعيداً عن الضامن القديم، وبطريقة لا تحتاج إعلان “إقصاء” بقدر ما تُنتج الإقصاء كأمرٍ واقع.
ما الذي ينبغي مراقبته الآن؟
التقدّم المُعلن لا يحسم القضايا الأصعب؛ بل يفتح باباً ويدفع الملفات الثقيلة إلى طاولة “تفاصيل التنفيذ”: آليات المراقبة، الجداول الزمنية، تعريف “خفض التصعيد”، وحدود تبادل المعلومات فهل يتوقف النشاط العسكري فعلياً أم يُعاد تشكيله بصيغ أخرى؟
ما جرى ليس سلاماً ولا تطبيعاً نهائياً؛ إنّه إعادة تموضع محسوبة، حيث ينتقل الجنوب السوري من ساحة صراع مفتوح إلى مساحة اختبار.


