أدب

كيليطو.. عاشق القراءة والتراث العربي

كيليطو.. عاشق القراءة والتراث العربي

أُحِبُّ التجوُّل في عالم الناقد عبد الفتاح كيليطو، وعلى الرغم من أنّه لم يكتب مذكرات أو سيرة ذاتية، فإنّه يبث في أعماله النقدية وكتاباته سيرة ثقافية، فهو قارئ كبير قبل أن يكون كاتبًا أو ناقدًا، يستخرج من تجاربه الذاتية معانيَ خاصة بفن القراءة، ولديه كتاب حِواري عنوانه “مسار“. وكيليطو يتماهى مع كُتبه ويُقِرّ بأنَّ سيرته الذاتية هي سيرةُ قراءاته.

بدايات كيليطو مع القراءة كانت مع القصص المصورة لروايات المغامرات الأمريكية، وكذلك أَحَبَّ روايات مارسيل بروست، وكافكا، وهو معجب بالحريري صاحب المقامات. ميزةُ الإتقان عند الحريري تُخجِلُه. أمّا سَلَفُه الهمذاني فهو يعترف أنّه أحيانًا يغيظه لشدة ذكائه، إلّا أنّه “ابتدع” جنس المقامة. وهو مدهوش من الجانب الارتجالي في أدبه.

كذلك كيف له أن ينسى قراءة “ألف ليلة وليلة” التي شرع في قراءتها منذ الطفولة؟ مع ذلك، لم يُعِدْ قراءتها منذ نَشْرِه للكتاب الذي خصَّصه لها “العين والإبرة“. وأخيرًا يبقى الجاحظ والمعرِّي الكاتبَين العربيَّين اللَّذين يؤْثِرهما. يعود مرارًا إلى آثارهما ويدهش باستمرار للمدى الواسع لفضولهما، ولخفَّة ذهنَيهما، ولجرأتهما، وللجانب الذي لا يفنى من عملهما، هو أنَّهما يجعلانه يبتسم. والدعابة أو الهزل شيء نادر وثمين كما يخبرنا.

لا يمكن لكيليطو أن يقرأ شعرًا قبل النوم، يُفضِّل قراءة رواية أو نثرٍ ما. الشعر قديمُه وحديثُه يُقرأ نهارًا، لأنّه يتطلب مجهودًا يكاد يجعل قراءته ككتابته قبل النوم. يقرأ عادةً في الليل أشياء سهلة، مثل روايات أغاثا كريستي. يقرأ أيضًا نصوصًا سبق له أن قرأها، يعود باستمرار إلى كتابات جول فيرن، وقراءات الصبا، فهو ما زال مرتبطًا بما قرأه في الصغر، مثل رواية “جزيرة الكنز“. وقد يؤدي الولع بالقراءة إلى رسم مصير الطفل وتحديد مستقبله الدراسي والمهني، ومن هذا المنظور اتجه كيليطو إلى ممارسة مهنة تدريس الأدب.

خجل الكتابة بالعربية.

يُعجِبني كتاب “الأدب في خطر” للناقد تزفيتان توردوف، وفوجئت أنّ كيليطو يُحِبّ مطلع هذا الكتاب. لنقرأْه معًا. يقول تودروف، أو طودروف كما يكتبها المغاربة: “مهما أوغلت في الصعود بذاكرتي، أجدني تُحيط بي الكتب“.

يُعلِّق كيليطو على هذه الجملة بقوله: “عندما قرأت الجملة الافتتاحية لكتاب طودروف قلت في نفسي: هذه جملة كان يمكن أن أقولها، لكنّي لم أقُلها. وبالمناسبة، فقد كان لهذا المفكر أثر محمود في مساري الأدبي”.

يعود كيليطو إلى غرابة حياته الأدبية، فهو يُدرِّس الأدب الفرنسي للطلاب، لكنّه كان على دراية بأنْ لا شيء ذا قيمة يمكن أن يُضاف إلى ما سبق للفرنسيين أن كتبوه. وصل إلى قناعة أنّه لم يكن الفرنسيون يتطلّعون إلى أن يحدّثهم عن أدبهم؛ أدبهم ليس بحاجة إليه (في رأيه). أما الأدب العربي فهو بحاجة إليه بقدر ما هو بحاجة إلى الأدب العربي. هذه كانت قناعته الراسخة، لم يكن من دونها ليكتب أيّ شيء. كان لديه على الدوام شعور غامض بإمكانية إضافة شيء ما إلى الأدب العربي.

هذا الشعور أحسَّ به، بصورةٍ مباشرة، من دراسته للأدب الأوروبي، بل يمكن القول -وللمفارقة- إنّه تعلّم الفرنسية ليتمكّن من الكتابة بالعربية، وربما فعل ذلك للدفاع عن لغةٍ كان يشعر أنّها تتعرّض للهجوم.

من الأمور التي يذكرها كيليطو عن مشواره الكتابي، تقديمه محاضرة عن موضوعة القَدَر في روايات الفرنسي فرانسوا موراياك، وقد علّقت ناقدة فرنسية على محاضرته قائلة: “إنّك تحدّثت عن القَدَر عند موراياك كأنك فرنسي. ماذا أضفت أنت بوصفك عربيًّا إلى هذا الموضوع؟ لماذا لم تحدِّثني عن موضوعات القَدَر في اللاهوت والأدب العربي؟”. أثَّر هذا النقد في كيليطو، وخلص منه إلى أنّ الفرنسيين خاصةً والأوروبيين عامةً يتمنَّون أن تدرس أدبهم، لكن تضيف إليه شيئًا من أدبك وثقافتك، وإلا فهل هُم بحاجة لتحدّثهم عن بلزاك وبروست وفلوبير؟!

يذكر كيليطو قصة أخرى عن نفس الموضوع، عندما قابلتْه في أحد الأيام طالبة له لم يَرَها منذ عشرين سنة. شرعت الطالبة وكيليطو في التحدّث بالفرنسية كما كانا يفعلان دائمًا، فهو أستاذ أدب فرنسي لكن معظم اشتغاله على الأدب العربي. ثمّ ألقت عليه الطالبة السؤال المنتظر: “علامَ تشتغلون؟”.

فقال لها كيليطو: “إنّي أُراجع كتاباتي وأعمالي الكاملة”.

ابتسمت الطالبة وبدت مغتبطة، إلى أن أضاف كيليطو: “باللغة العربية”.

اختفت ابتسامة الطالبة وخبا حماسها. شيء من الكدر استقرّ بينهما. لم يكُن نشر أعمال كيليطو بالعربية يُثير مشاعرها. كان الأمر واضحًا. لم يكن ذلك يعني لها شيئًا. ربّما كان يغيظها. وساد وجوم كريه، ومضى كاتبنا إلى حال سبيله وهو مشوش الذهن، يردّد بيت جرير:‫

فَغُضَّ الطَّرْفَ إِنَّكَ مِنْ نُمَيْرٍ… فَلا كَعْبًا بَلَغْتَ ولا كِلابا.

الظاهر أنّ الطالبة لم تستسِغ صدور أعمال كيليطو باللغة العربية. إنّه شيء لا يَعنيها أو يضايقها، فلم تُكلِّف نفسها حتى أن تسأله، مثلًا، عن التاريخ المرتقب للنشر أو عن الدار التي تكفّلت به. لكن الذي أقلقه أنّه لمدةٍ وجيزة، ثانية أو ثانيتين، شعر بأنّه “أخطأ اللغة”، خجل من كتابته بالعربية، وحينما استعاد إدراكه خجل من خجله.

تُذكِّرني هذه القصة بندمي على عدم شراء طبعة الأعمال الكاملة من كتابات كيليطو عن دار توبقال، وأنا أعمل في مكتبة في إسطنبول. لا أعرف السبب، هل هو قلة ذات اليد، أم حُبي للكتب الصغيرة من كيليطو طبعة توبقال ثمّ حاليًّا طبعة دار المتوسط؟

من اللسانيات إلى الجاحظ والقارئ العدوّ.

كان كيليطو في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات من القرن الماضي يهتمّ شيئًا ما باللسانيات، لأنّه كان يشاع وقتئذ أنّها تمنح الطريقة المثلى لتحليل النصوص الأدبية. مَن لا يتقن اللسانيات لن يفلح أبدًا في مساره الأدبي.

كان تعيسًا أمام هذا الحكم القاطع، وكان يُصغي إلى اللسانيين يتحدّثون بحماسٍ وهو بينهم لا يفهم ما يقولون. تبيَّن له حينئذ أنّه ليس مؤهلًا للخوض في التنظير اللساني والأدبي، مع أنه استفاد كثيرًا من علمائه. يضاف إلى هذا عجْز كيليطو عن كتابة دراسة رصينة وفق المعايير الجامعية المعهودة.

وبالجملة فهو يَصِف مشكلته بأنه ليس قادرًا على تأليف بحث مستفيض لموضوع ما في فصول متراصة البناء. كان هذا يُقلِقه، ولم يتجاوزه إلا يوم ظهر له أنّ ما كان يعتبره عجزًا يمكن أن يجعله الموضوع الرئيسي لمؤلفاته. لذلك أحبَّها القراء في رأيي لأنها منوعة وممتعة وتحمل أسلوبَ وبصمةَ كيليطو الخاصة التي لا تُشبِه أحدًا. لقد ظلّ حبيس طريقة مُعيَّنة في الكتابة، وهذا هو تعريف الأسلوب.

اكتشف كيليطو هذا الأمر على الخصوص وهو يقرأ الجاحظ، فهو الذي خلَّصه من شعوره بالنقص يوم أدرك أنّ الجاحظ لم يكُن يستطيع، أو على الأصح لم يكن يرغب في إنجاز كتاب، بمعنی استیفاء موضوع ما، والمثابرة عليه والسير قُدمًا، دون الالتفات يمينًا أو يسارًا.

الجاحظ نفسه يُقِرّ بهذا ويعتذر مرارًا، ويُعلِّل الأمر بتخوُّفه من أن يملَّ القارئ. والواقع أنّه هو أيضًا كان يشعر بالملل ويسعى إلى التغلب عليه، وهذا سِرّ استطرادات الجاحظ المتتالية. يصل كيليطو إلى أنّ الجاحظ أسَّس بصفةٍ جليّة فن الاستطراد، دشَّن فن الانتقال المفاجئ من موضوعٍ إلى موضوع، من شعر إلى نثر، من موعظة إلى نادرة، من مَثَل إلى خُطبة، من جدّ إلى هزل. وإذا كان من اللازم تشبيهه بكاتب أوروبي، فلا يرى كيليطو أفضل من الفرنسي مونتيني الذي كان يكتب، على حد قوله، بـ”القفز والوثب”. ولا يشك كيليطو أنّه كان يقرأ أيضًا بهذه الطريقة.

هكذا تعلمت من تحليلات كيليطو لنصوص الجاحظ أنّ القارئ يملّ، فهو ينبهنا إلى خصيصة في أسلوب أبي عثمان الجاحظ، فيقول: “لا أعرف مؤلفًا اهتم بالقارئ العدوّ كما فعل الجاحظ، فهو يُشْرِكه في مشاريعه ويدعو له (حفظك الله، أكرمك الله…). وفي كلّ لحظةٍ يلتفت إليه ليتأكد من انتباهه ويذكي اهتمامه”.

هكذا أدركت من كيليطو أنّ القاعدة التي يفترضها الجاحظ أنّ القارئ سرعان ما يدركه السأم، وأن طبيعته مجبولة على التبرُّم بما يقرأ، في كلّ لحظة قد يعنّ له أن يطرح الكتاب الذي بين يديه، ولهذا لا بدّ من شد انتباهه بشتى الوسائل، بمخاطبته مرارًا والتودد إليه وتنويع المواضيع والمواد المقدمة إليه.

كيليطو المغربي: أتحدث كلّ اللغات لكن بالعربية.

انظر مثلًا إلى هذه القصة الطريفة التي حدثت معه قبل ما يقرب من عشرين سنة. كان كيليطو في كامبريدج بالولايات المتحدة، حيث جامعة هارفارد. ذات صباح كان متّجهًا إلى المكتبة، وهو ينبهنا: “ماذا ستفعل في هارفارد إذا لم تَزُر المكتبة يوميًّا؟”. وإذا به يبصر، عن بُعد، مغربيًّا قادمًا جهته. لم يكُن يعرفه، ولم يرَه قبل ذلك، لكنه علم أنه من المغرب، ويمكن أن يضيف كيليطو أنه نادرًا ما يخطئ تخمينه.

كيف تعرّف كيليطو على مغربي قبل أن ينبس ببنت شفة (لا بد من توضيح ذلك، لأنه إذا تَحَدَّثَ فلا مجال حينئذ للتردُّد)؟ يقول كيليطو: “أهي قسمات الوجه، كآبة مستسلمة، طريقة مشي ببطء، نعم ببطء، كأنه يتجوَّل؟ وعلى الأرجح لاحظ ذلك لأنه قال له على الفور: “اسمح لي سي عبد الفتاح، بغِيت غِير نَدْوي معاك شويا بَلعَرْبِية (أريد فقط أن أتحدَّث معك شيئًا ما بالعربية)”.

ويكمل كيليطو: “الحنين إلى الوطن حنين إلى اللسان. كان بحاجة إلى التحدُّث بِلُغة الأم. ضرورة قصوى، شكل من التداوي والعلاج. تبادلنا بضع كلمات، نزلَت بردًا وسلامًا عليه، وعلَيَّ كذلك. تغيَّر وجهه، صار له وجه آخر، وجه يشعّ بهجة وسرورًا”.

ينبّهنا كيليطو إلى أنّ ما يفتقده المرء كثيرًا في غربته، من بين أشياء كثيرة يفتقدها غير اللغة، هو الطعام، وقد يؤدى الأمر إلى فقدان الشهوة. في القرن السابع عشر كتب الحسن اليوسي في كتابه “المحاضرات” أنّ علاج المغربي حينما يمرض وهو في الغربة أن تطعمه الكسكس. يُسقِط هذه الفكرة الجميلة على افتقاد إدوارد سعيد طعام أهله القاهري، ويفتقد بدرجةٍ أكبر بلا شك اللغة العربية في منفاه في الولايات المتّحدة الأمريكية.

مقامات الزمخشري وفن الأدب.

يتوقف كيليطو كذلك عند مقامات الزمخشري في كتابه “الأدب والغرابة.. دراسات بنيوية في الأدب العربي“، إذ يقول إنّه مع شفاء الزمخشري انكبَّ على “إنشاء المَقامات حتَّى تمَّمَها خمسين مَقامة، يعظُ فيها نفسه وينهاها أن تركن إلى ديدنها الأوَّل”. هذه المَقامات لا تكاد تمتُّ بِصِلة إلى ما نعرفه عند الهمذاني والحريري.

يكمل كيليطو: “حَبَسَ الزَّمَخْشَرِيُّ نَفْسَه في مَسكنه، وحَبَسَ كتابته في نوع واحد هو الوَعْظ. على الأقلِّ أخذ على نفسه الوعْد ألّا يتكلَّم إلّا في الجِدِّ، أي ألّا يسكن إلا في محلٍّ واحد يستقرُّ فيه ولا ينتقل منه إلى محلٍّ آخر. هذا السكون الذي يسعى إليه يتعارض مع الحركة التي تميِّز الأدب. أغلبية الذين اشتغلوا بالأدب (ابن المُقَفَّع، والجاحظ، والهمذاني، وابن ناقيا، والحريري، وغيرهم) أكَّدوا بصفةٍ صريحة أو ضمنية ضرورة الانتقال من الجِدِّ إلى الهَزْل”.

هنا نَصِل إلى لُبّ مجادلة كيليطو وفهمه للكتابة، إذ يقول: “للأدب شجونٌ ومنعطفات، الأديبُ يكره أن يمشيَ في طريق واحد، فتراه يقفز من معنى إلى معنى، ومن غرضٍ إلى غرض، ومن فنٍّ إلى فنٍّ. الأدب جولة تنقلكَ بلا سابق إنذار من منظر إلى منظر، وتُسمِعكَ أصواتًا متعدِّدة ومتناقضة أحيانًا. لمْ يحتفظ الزَّمَخْشَرِيُّ من الأدب إلا بصوتٍ واحد، وأسكتَ سائر الأصوات الأخرى جميعها”.

يقرأ كيليطو الأدب العربي والغربي وأحيانًا يتلقَّى صدمة، كما حدث له مع رواية “مئة عام من العزلة“لماركيز، فمنذ الجملة الأولى فعَل السِّحرُ فعله معه وترنَّح العالم. يوضح كيليطو أنّ الأدب يحرّرنا أيضًا من أفكارنا السيئة، التي نعتقد أحيانًا أنَّنا وحدَنا من تَسكُنه، لكن عندما تتحدّث عنها الكتب تغدو مألوفة يشترك فيها الجميع.

مع كلّ هذا الحديث عن كيليطو فإنّه يجد تحفُّظًا في اعتبار نفسه كاتبًا. نصوصه نادرة وقصيرة، وكلّها محاولات نقدية، ورغم ذلك فهو يحلم بالكتابة. لعله يقصد الكتابة الأدبية الخالصة، لذلك يكتب روايات يخلط فيها السرد بنصوصه النقدية. وهو يرى أنّ الكتابة تتفجر في الأديب مثلما عبَّر عنها فيكتور هوجو بروعة وهو في سن الرابعة عشرة إذ قال: “سأكون شاتوبريان أو لا أكون شيئًا”، فيقول القارئ لنفسه: لأجرّب حظي أنا أيضًا! لعل هذا القلق وعدم اليقين والتواضع والتجريب والعيش الطويل مع القراءة ثمّ الكتابة بعد ذلك، والشقاء الذي يشعر به كيليطو وهو يفكر في نصوصه، بل في سطرٍ واحد أو فاصلة في كتابه.. لعلّ كلّ هذا يُخرِج لنا متعة أدبية مميزة.

شارك

مقالات ذات صلة