آراء

اختطاف الرؤساء: هل انتهى زمن القانون الدولي؟

يناير 11, 2026

اختطاف الرؤساء: هل انتهى زمن القانون الدولي؟

أكتب هذه السطور في “سطور” وأنا أتأمل ما يحصل في هذا العالم المجنون و المرعب ، حيث يمتدّ جنونه إلى جوهر النظام الدولي ومعناه الأخلاقي، فالقضية ليست حادثة بعينها ولا اسمًا محدّدًا، بل ذلك التصدّع الصامت الذي يصيب فكرة الدولة الحديثة ذات السيادة، حين يبدأ العالم في تقبّل فكرة “اختطاف الرؤساء” بوصفه أداةً سياسية قابلة للتبرير!، وعند هذه النقطة، يصبح السؤال أخطر من الحدث نفسه: ماذا يتبقّى من النظام الدولي عندما تُنزع القداسة عن السيادة، ويُعاد تعريفها وفق منطق القوة لا وفق القواعد؟

فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لم يقم العالم –بصراحة- على عدالة مكتملة، بل على تسوية هشّة بين القوة والقانون الدولي، و تلك التسوية غير المكتوبة، مفادها أنّ الصراعات مهما بلغت قسوتها، يجب ألا تمسّ جوهر السيادة ولا رمزها الأعلى، ولم يكن ذلك تعبيرًا عن أخلاق سياسية  سامية، بل عن خوفٍ عقلاني من الفوضى وعودتها من جديد، فالحد الأدنى من القواعد والقوانين كان شرطًا لبقاء العالم قابلًا للحكم، لا مجرّد ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات بين الدول .

ما يقلقني في هذا الأمر الذي قامه الإدارة الأمريكية في اختطافها للرئيس الفنزويلي ليس فعل الاختطاف في ذاته، بل منطق الفكرة، فحين يبدأ العالم في قبول فكرة أنّ اختطاف رئيس دولة قد يكون مبررًا أخلاقيًّا أو أمنيًّا، فإنّنا لا نفتح ثغرة قانونية فحسب، بل نعلن نهاية الخط الفاصل بين الدولة والعصابة، بين السلطة المنظمة والقوة العارية “البلطجية”، فعندها لا يعود القانون إطارًا نحتكم إليه، بل رواية تُعاد صياغتها حسب ميزان القوة.

فالقانون الدولي، رغم كلّ عيوبه وبطئه ونفاق بعض من يتحدّثون باسمه و أكثر من يكتوى بنار عدم تطبيقه بشكلٍ عادل هي الدول العربية والإسلامية، وضع مسارات واضحة لمحاسبة القادة، كالمحاكم الدولية، وآليات تسليم، والقرارات الأممية وغير ذلك، فتجاوز هذه المسارات بحجة أنّها غير فعّالة يجعلنا نفقد ما تبقّى من ضميرٍ عالمي يضع للقانون الدولي قدره، فالقوة حين تحل محل القانون لا تنتج عدالة أسرع، بل تنتج ظلمًا أسرع، وأكثر فوضوية.

الأخطر من ذلك هو منطق السوابق، فالعالم لا ينهار بضربةٍ واحدة، بل بسلسلة استثناءات صغيرة يُقال عنها إنّها “ضرورية” ، إذا سُمح لدولةٍ قوية اليوم كأمريكا باختطاف رئيس دولة أخرى، فسيجد غيرها غدًا المبرر ذاته، وحينها لن يكون السؤال: مَن مِن الدول على حقّ؟ بل: مَن يملك من الدول القدرة والقوة؟ وهنا نكون قد عدنا، إلى عالم ما قبل الدولة الحديثة، حيث لا تحكم العلاقات الدولية إلا القوة والخوف.

ثمّ إنّ اختطاف رئيس دولة ليس مساسًا بشخصه، بل هي رسالة بأنّ سيادة الشعوب والدول تحت عرضة المساس غير المنطقي، فحين يُختطف رئيس دولة، تُختطف معه فكرة المساواة بين الدول، ويُقال للعالم إنّ السيادة لم تعُد مبدأ، بل امتيازًا لمنطق القوة والجبروت.

وهنا لا أكتب دفاعًا عن رؤساء محدّدين، ولا تبريرًا لأنظمةٍ قمعية و ممارسات عصاباتية. بل أكتب إيماناً بفكرةٍ واحدة .. وهي أنّ بقاء القانون الدولي مشوّهاً خير من زواله بالكلية وأنّ بقاء العرب والمسلمين بلا منطق سيادي و قوة كاملة هو نذير خطر بزوالهم.

 

شارك

مقالات ذات صلة