سياسة

قسد الأضعف خلف الضجيج الإعلامي

يناير 10, 2026

قسد الأضعف خلف الضجيج الإعلامي

تلاشت معطيات تنفيذ اتفاق العاشر من آذار بين حكومة دمشق وتنظيم قسد، بعد مفاوضات ومباحثات عديدةٍ لم تأتِ ثمارها خصوصاً مع انتهاء مهلة الاتفاق والمماطلة العلنية من قبل قسد، لكن الدور البارز للحليف الأمريكي لقسد جعلها وإعلامها في ضجيجٍ لقوةٍ مزعومة تعطيها حق الجلوس والتفاوض على طاولةٍ واحدةٍ مع السوريين ككل وليس مع الحكومة في دمشق فحسب، وسط تجاوزات وانتهاكاتِ عناصرها بحقّ المدنيين في الجزيرة السوريّة من جهة، وبحقّ المدنيين في حلب عبر حيي الشيخ مقصود والأشرفية من جهةٍ أخرى، ليتذوق أهالي حلب على وجهِ الخصوص مجازر وقصفاً همجياً لا يخفى دولياً ولا إقليمياً.

وبينما نسيَ القسديون سبب وجودهم الأساسي في شمال شرقي سوريا، كأداةٍ للتحالف الدولي وعلى رأسهم الولايات المتحدة والتي بدورها بدأت تتخلى عنهم تدريجياً، بعد تصريحات المبعوث توم باراك ووفق محللين استراتيجيين في المنطقة.

ولا يخفى على أحد أنّ قسد بعيداً عن الأكراد السوريين الأحرار ظنّت أنّها حملت السلاح مع الشعب السوريّ في ثورته متناسين دعمهم لنظام الأسد ومليشياته الهاربة بعد التحرير نهاية عام 2024.

 

وجود داعش.. وتهميش الأسد للجزيرة السورية.

بالعودة للماضي، أقدمت قوات أمريكية على دعم YPG في كوباني في أيلول/ سبتمبر عام 2014، لتبدأ بناية الشرعية الدولية والوجودية لقسد كقوةٍ وظيفية فقط، من أجل القضاء على تنظيم داعش شمال شرقي سوريا، وهو ما شرعن وجود تنظيمٍ إرهابي جديد لا يقل إجراماً عن داعش.. كقسد وفق الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب.

مما يفتح تساؤلات عديدة حول وجود قسد الفعلي في سوريا بعد إعلان الانتصار العسكري على تنظيم داعش في سوريا في 23 آذار/ مارس 2019، مع سقوط آخر معاقله في الباغوز شرقي دير الزور، وبقاء خطر الخلايا النائمة.

فالإجابة الفعلية التي تبحث الحقيقة تخبرنا أنّ تقلص التهديدات وانتهاء داعش، بدأ مع تحوُّل قسد من التموضع الوظيفي لمحاربة الإرهاب بالوكالة الأمريكية إلى صراع النفوذ والإدارة المحلية، باعتبارها أيضاً تسيطر على مساحاتٍ واسعة من الجزيرة السورية الغنية بالخيرات الاقتصادية.

وبينما اشتدت معارك الكرِّ والفرِّ بين فصائل الثورة السورية مع مليشيات الأسد وحلفائها، واتّباع سياسة الأرض المحروقة من قبل الأسد وروسيا لفرض السيطرة على المدن التي حررها السوريون بداية الثورة، كانت مناطق الجزيرة السورية بعيدةً عن منظور الأسد، الذي وضعها وأهلها منذ ما قبل الثورة على هامش النسيان السوريّ، مقارنة بباقي محافظات سوريا التي كانت محطّ اهتمام الأسد المجرم كدمشق وحلب وحمص، هذا المسوّغ أعطى قسد ومن خلفها الولايات المتحدة حجة البقاء أكثر لنهب النفط السوريّ وحرمان السوريين منه منذ أكثر من 14 عاماً.

وها هي اليوم الولايات المتحدة بعد انتهاء تنظيم داعش تؤكد على شرعية وحدة الأراضي السورية مع الحكومة الجديدة، وسط التفاهمات الدولية الجديدة حول حكومة دمشق وشرعيتها بتمثيل كلّ السوريين.

المسألة الكردية.. والخطاب اليساري.

قسد التنظيم العسكري المدعوم أمريكياً القائم على الأكراد اليساريين الماركسيين الذين ينتمون فكرياً وأيديولوجياً إلى حزب العمال الكردستاني، الجماعة الإرهابية حسب وصف ترامب، ليس بهذه القوة كما يخيلُ للكثير، بل إنّ الأمر متعلق بالقوة الإعلامية التي تحاول من خلال دعم التحالف لهم تسويق فكرة التنظيم القوي الذي لا يقهر، وحتى لا ننكر حقوق الأكرادالسوريين كأصلٍ وطني، تحاول قسد أن تترجم هذا الحقّ على الأرض بطريقتها وخطابها اليساري، لكن عدالة القضية لا تعني قداسة الأداة، وهو رسالة موجّهة للأكراد الحالمين بدولة كردية مستقلة مبنية على العرقية لا الوطنية.

بالحديث عن زعيم حزب العمال الكردستاني حتى يتثنى لنا ذكر ما قاله زعيم الحزب من سجنه “أيها الحزب.. ألقوا السلاح، فإنّنا سنتجه الآن للعمل السياسي”، فشرعية القتال عند أوجلان والتي حملها شرق الفرات عند قسد وقوات حماة المرأة اختفت شرعيتها حتى من أوجلان، وهو ما يؤكد لنا تلاشي عوامل البقاء.

فحين تُربط حقوق مكوّن كامل بإطارٍ مسلح واحد، تصبح الحقوق معلّقة على صعوده وهبوطه، هو ما نقصده تماماً حول الأكراد السوريين الأحرار الذين لهم حقوق طبيعية ووطنية: لغة، ثقافة، تمثيل سياسي، عدالة مواطنة، تنمية مناطق مهمّشة خلال حكم الأسدين.

 فالحقوق ثابتة أمّا من يدّعي تمثيلها فمسألة سياسية قابلة للنقاش والمحاسبة، وبالنسبة لشرق الفرات فهناك كما الأكراد عربٌ سوريون بنسبةٍ تفوقهم، فمن المنطقي أن تكون الحقوق تُثبت بالعدالة المتبادلة، لا بتوازن السلاح، ولتطبيق حقّ الأكراد بعيداً عن الحزبية اللاسياسية الماركسية يحتاج الموضوع أن يُدار ضمن دولة، لا عبر دولة داخل الدولة والتجنيد الإجباري للأطفال وترويع العرب في المنطقة، فهذه العوامل بالحقيقة تفتح باب زوال هذا التنظيم الذي انتهى دوره الوظيفي كاملاً.

ومع تراجع داعش وتبدّل دمشق وتغيّر واشنطن يبقى ملفّ الحقوق بالنسبة لقسد غطاء، حتى هذا الغطاء إذا رُبط بأداةٍ حزبية عسكرية واحدة، يصير أقل إقناعاً داخلياً وخارجياً.

حكومة الأسد الاستبدادية الزائلة.

لا يمكننا الحديث عن أسباب بقاء قسد في السابق دون ذكر الحجّة التي تغنت بها قسد “وجود حكومة استبدادية في دمشق”، لتضع قسد نُصب أعينها طلب وجود حكومةٍ ذاتية لحماية نفسها من هذه الحكومة، ولكن الواقع كان يؤكد وجود التفاهمات الاستراتيجية بين الأسد الهارب وقسد الإرهابية عبر التبادل التجاري والمساندة العسكري في حلب عبر حيي الشيخ مقصود والأشرفية.

وهنا انتهى الأسد، فالعدو الذي كان يوحّد السرديات فرّ وهرب، ومعه بدأت تضعف مبررات الاستقلال العسكري تحت ظلّ الدولة الجديدة بدمشق، وإن بدا واضحاً تساهل الحكومة الجديدة في دمشق في اتفاق 10 من آذار بإعطائهم بعض الحقوق العسكرية ضمن وزارة الدفاع على الرغم من موالاتهم الأسد ومساندته بطريقةٍ أو بأخرى في السابق.

في حين بدأ يظهر جلياً انتهاء الدعم الأمريكي لهذا التنظيم من خلال تأكيد الولايات المتحدة على وحدة الأراضي السورية، وهو ما لا يصدقه القسديون الانفصاليون، ولتظهر تركيا الموجودة أصلاً عاملاً حاسماً بتقديم دمشق كشريكٍ جديد شرعي وتسويغ الفكرة الجديدة، ثمّ التأكيد على ضبط الحدود والأمن القومي التركي الذي يهدف لإنهاء الوجود القسدي عبر الحدود الإدارية المشتركة بين تركيا وسوريا، فالولايات المتحدة وفكرة الشرق الأوسط المستقر صار توجهاً جديداً بالنسبة لها، وبدأت تتعامل معه معتبرةً حكومة دمشق حكومةً قوية مركزية.

الشرع وتصريحات البيت الأبيض.

اللافت في هذا السياق هو التغيّر الواضح في خطاب الرئيس السوري أحمد الشرع تجاه قسد، ولا سيّما بعد زيارته الأخيرة إلى البيت الأبيض، حيث بدا الخطاب أكثر صراحة وحزماً في مقاربة ملف “القوى الموازية” داخل الجغرافيا السورية.

وبعد أن كان الحديث يدور حول التفاهمات المرحلية والتهدئة، انتقل الخطاب الرسمي إلى تأكيدٍ صريح على مبدأ الدولة الواحدة، والجيش الواحد، واحتكار السلاح بيد السلطة المركزية، في تحوّل يعكس انتقال الشرع إلى موقع عنوان سياسي معترف به دوليًا.

هذا التحوّل ترافق مع إعادة تموضع أمريكية واضحة، قلّصت الحاجة إلى قسد كقوةٍ وسيطة، مقابل تفضيل التعامل مع دولة مركزية قادرة على ضبط الجغرافيا وإدارة الملفات الأمنية، وفي هذا الإطار، يمكن قراءة معارك الشيخ مقصود والأشرفية في حلب بوصفها اختبارًا عمليًّا لهذا التحوّل، حيث لم يعد الصراع محصورًا في إطارٍ أمني محدود، بل بات جزءًا من معركةٍ أوسع لإنهاء منطق الجيوش الموازية وفرض معادلة السيادة داخل المدن الكبرى.

تغيّر خطاب الشرع لم يكن تصعيدًا لفظيًا بقدر ما كان انعكاسًا لتغيّر البيئة السياسية التي شكّلت أحد آخر عوامل بقاء قسد. ومع تآكل هذا العامل، بات الضجيج الإعلامي لقسد بديلاً عن النفوذ الحقيقي، فرغم توقيع اتفاق العاشر من آذار، اختارت قسد سياسة التسويف والمماطلة في التنفيذ، معتمدة على خطابٍ يبالغ في تضخيم القوة ويراهن على “الحليف الأمريكي”، في وقتٍ تشير فيه المعطيات إلى أنّ واشنطن باتت تنظر إلى قسد كملفّ انتقالي ضمن سياق أوسع عنوانه سوريا موحّدة، بجيش واحد، وسيادة مركزية.

في المحصّلة، لا تكمن أزمة قسد اليوم في ضعفٍ عسكري مباشر، بل في انهيار مبرّرات البقاء، وما تبقى هو ضجيجٌ إعلامي يحاول إخفاء حقيقة أنّ ميزان السياسة سبق الميدان بخطوات.

شارك

مقالات ذات صلة