سياسة

حلب على حافة التحوّل

يناير 9, 2026

حلب على حافة التحوّل

لم تكن أصوات القذائف التي دوّت فوق أحياء حلب الشمالية خلال الأيام الماضية مجرّد فصلٍ جديد من فصول الاشتباك العسكري السوري، بل كانت إعلاناً صريحاً عن انهيار مسارٍ تفاوضي طويل، ومحاولة حاسمة لإعادة رسم موازين السيطرة داخل واحدة من أكثر المدن السورية حساسية سياسياً وديموغرافياً.

فمع دخول القوات الحكومية السورية إلى حيّ الأشرفية، ذي الغالبية الكردية، مساء الخميس، تكون حلب قد دخلت مرحلة جديدة من الصراع بين الدولة السورية وقوات سوريا الديمقراطية “قسد”، عنوانها الأبرز: حسم عسكري مضبوط، مقابل تصعيد سياسي وإنساني واسع النطاق.

3 أيام من المعارك العنيفة كانت كفيلة بإعادة مشهد النزوح الجماعي إلى قلب المدينة، وبإسقاط 9 مدنيين شهداء، بينهم طفلان وسيدتان وطالب جامعي، وإصابة نحو 60 آخرين، بقذائف “قسد” في وقتٍ انسحبت فيه نحو حيّ الشيخ مقصود، الذي بات اليوم آخر معاقلها داخل مدينة حلب.

لكن ما جرى لم يكن وليد لحظة ميدانية، بل نتيجة تراكمات سياسية، وفشل تفاهمات، وانسداد أفق مفاوضات بدأت في دمشق وانتهت عند متاريس الأشرفية.

 

من التفاوض إلى المواجهة: كيف انفجرت الجبهة؟

بدأت شرارة التصعيد ليل الإثنين، بعد يومٍ واحد فقط من جلسة مفاوضات عُقدت في العاصمة دمشق بين وفد من الصف الثاني في وزارة الدفاع السورية ووفد ممثل عن “قسد”. المفاوضات، التي عُقدت في أجواءٍ وصفت حينها بـ”الاستكشافية”، لم تنجح في تحقيق أي اختراق حقيقي، خصوصاً في الملف الأكثر حساسية: دمج قوات “قسد” ضمن بنية الجيش السوري.

وبحسب مصادر مطلعة، تمحورت مطالب “قسد” حول: دمج المقاتلين العرب ضمن فرق الجيش السوري النظامية، الإبقاء على القوات الكردية كوحداتٍ مستقلة داخل الجيش، والاعتراف بالإدارة الذاتية جهة مشرفة على محافظة الحسكة، مع التخلي عن إدارة الرقة ودير الزور.

في المقابل، رفض وفد وزارة الدفاع السورية هذه الطروحات بشكلٍ قاطع، معتبراً أنّها تمسّ بمبدأ وحدة المؤسسة العسكرية، وتُبقي على سلاح خارج إطار الدولة، وهو ما شكّل نقطة الانفجار السياسي التي تحوّلت سريعاً إلى مواجهة عسكرية.

 

التصعيد داخل المدينة: المدنيون في مرمى النيران.

مع فشل المفاوضات، انتقلت “قسد” إلى خيار الضغط الميداني، عبر استهداف مناطق مأهولة بالسكان داخل أحياء مدينة حلب، في محاولةٍ واضحة لرفع الكلفة السياسية على الحكومة السورية. 

ووفق حصيلة أولية، أسفر قصف “قسد” عن قتل 9 مدنيين، وإصابة نحو 60 آخرين بجروحٍ متفاوتة، وأضرار مادية في مشافي وأبنية حكومية والأبنية السكنية والبنية التحتية. ومع تصاعد وتيرة الاشتباكات، سارعت الحكومة السورية إلى فتح ممرات آمنة لخروج المدنيين من حييّ الشيخ مقصود والأشرفية، في خطوة هدفت إلى تفريغ مناطق الاشتباك، ومنع تحوّل المعركة إلى كارثة إنسانية واسعة.

 

دخول الأشرفية: الحسم العسكري بضبط سياسي.

مساء الخميس، أعلنت القوات الحكومية السورية سيطرتها الكاملة على حي الأشرفية، بعد معارك وُصفت بالعنيفة والمركّزة، لتبدأ مرحلة جديدة من الانتشار الأمني. وقالت وزارة الداخلية السورية، في بيانٍ رسمي، إنّ قوى الأمن الداخلي باشرت بالانتشار داخل الحي، ضمن خطة لإعادة تثبيت الأمن والاستقرار، عقب انسحاب المجموعات المسلحة التابعة لـ”قسد”.

وأكد البيان أنّ الوحدات الأمنية تعمل على حماية المدنيين، ومنع أيّ مظاهر فوضى أو انتهاكات، والتنسيق الكامل مع وحدات الجيش المنتشرة في محيط الحي. هذا التطور الميداني جعل حي الشيخ مقصود فعلياً محاصراً، وسط ترجيحات بأنّ مسألة دخوله باتت مسألة وقت لا أكثر.

خطاب الدولة: الأكراد شركاء لا خصوم. 

بالتوازي مع التقدم العسكري، أصدرت الحكومة السورية بياناً سياسياً لافتاً، حاولت من خلاله نزع البعد القومي عن المواجهة. وأكد البيان أن الأكراد مكوّن أساسي وأصيل من الشعب السوري، والدولة تنظر إليهم كشركاء كاملين في الوطن، وما جرى لا يستهدف مكوّناً بعينه، بل سلاحاً خارج إطار الدولة.

وشدّدت الحكومة على أنها أمّنت وحمت النازحين من الأكراد والعرب على حدٍّ سواء، ووفّرت لهم المأوى والخدمات الأساسية، وتعمل على إعادتهم إلى مناطقهم بأمانٍ وكرامة.

كما حمّلت دمشق “قسد” مسؤولية التصعيد، معتبرة أنّ ما جرى هو نتيجة مباشرة لنقض اتفاق 1 نيسان الماضي، وللتمرّد على مؤسسات الدولة، مطالبة بإخراج المجموعات المسلحة من الشيخ مقصود والأشرفية، وإنهاء الحالة العسكرية التي تهدّد حياة المدنيين.

 

النزوح الأكبر داخل المدينة: 142 ألف شخص بلا مأوى.

النتيجة الإنسانية كانت ثقيلة. فقد أعلنت اللجنة المركزية لاستجابة حلب عن نزوح أكثر من 142 ألف شخص من حييّ الشيخ مقصود والأشرفية، في واحدةٍ من أكبر موجات النزوح داخل مدينة حلب خلال الفترة الأخيرة.

وخلال مؤتمر صحفي عُقد في مبنى محافظة حلب، مساء الخميس 8 كانون الثاني/ يناير 2026، أعلنت اللجنة افتتاح 10 مراكز إيواء داخل المدينة، وتخصيص مراكز إضافية في عفرين وإعزاز بريف حلب الشمالي، وتنسيق الجهود مع مديريات الصحة، والشؤون الاجتماعية، والدفاع المدني، والنقل. وأكدت اللجنة أنّ عمليات الإخلاء جرت وفق إجراءات متكاملة، شملت الجوانب الأمنية والطبية والخدمية، مع فتح ممرين إنسانيين بإشراف قوى الأمن الداخلي.

 
ماذا تقول الوقائع؟

المحلّل العسكري رشيد حوراني قدّم قراءة تفصيلية للمشهد، معتبراً أنّ ما جرى هو نتيجة مباشرة لتهرب “قسد” من تنفيذ اتفاق العاشر من آذار، الذي أقرّ بعودة مؤسسات الدولة إلى الحيين، بإشراف أمريكي – تركي.

وأشار حوراني إلى أنّ “قسد” روّجت لاحقاً أنّها وقّعت الاتفاق تحت الضغط، وحاولت استفزاز الحكومة عقب أحداث الساحل والسويداء، وسعت لجرّ الدولة إلى مواجهةٍ تُوظَّف سياسياً تحت عنوان “الأقليات”.

وأوضح أنّ الحكومة السورية كانت مدركة لأهداف “قسد”، ولم تنجرّ إلى تصعيدٍ عشوائي، واتّخذت قرار الدخول العسكري مستندة إلى تفوق ميداني واضح. وأكد أنّ العمل العسكري جرى بالتوازي مع العمل الإنساني، والتزم تعليمات صارمة بحماية المدنيين، واقتصر الردّ على مصادر النيران فقط.

 

الأشرفية بوابة الشيخ مقصود.. وما بعدها.

يرى حوراني أنّ السيطرة على الأشرفية، باعتبارها نقطة مرتفعة واستراتيجية، تجعل دخول الشيخ مقصود “تحصيل حاصل”، مشيراً إلى أنّ المرحلة الأولى من العملية نجحت دون تسجيل انتهاكات أو دمار واسع.

لكن الأخطر، وفق المحلّل العسكري، هو ما بعد حلب. فمستقبل “قسد” في شرق الفرات، بحسب حوراني، بات محصوراً بين خيارين: أولهما؛ القبول الكامل بشروط الدولة السورية وتنفيذ اتفاق العاشر من آذار. والثاني واجهة عمل عسكري مشابه، قد يستفيد من معارضة شعبية واسعة لـ”قسد” في الرقة ودير الزور.

ويحذّر من أنّ التحدي الأكبر يتمثّل في البعد الإقليمي، خصوصاً في ظلّ اعتماد الإدارة الذاتية على إقليم كردستان لوجستياً، وهي عقدة لا يمكن تجاوزها إلا بتنسيقٍ إقليمي برعاية تركية أمريكية.


حلب نموذج لما هو قادم.

ما جرى في الأشرفية ليس حدثاً معزولاً، بل نموذج مصغّر لما قد تشهده الجغرافيا السورية في المرحلة المقبلة. الدولة السورية، الواثقة بتفوقها العسكري، تحاول فرض معادلة جديدة: لا تفاوض بلا تسليم، ولا سياسة بسلاح خارج الدولة. في المقابل، تجد “قسد” نفسها أمام مأزقٍ وجودي حقيقي، بعد أن استُنزفت خياراتها التفاوضية، وتآكل رصيدها الشعبي في أكثر من منطقة.

النجاح أو الفشل في الشيخ مقصود لن يحدّد مصير حيّين في حلب فحسب، بل سيشكّل اختباراً حاسماً لإمكانية تعميم هذا النموذج على شرق الفرات. فإمّا أن تكون حلب بداية إعادة توحيد السيطرة المركزية، أو مقدمة لجولة صراع أكبر، تتجاوز حدود المدينة، وتعيد خلط أوراق الملف السوري برمّته.

شارك

مقالات ذات صلة