Blog

الأدوات الموسيقية الحية في الأغنية الفراتية

يناير 13, 2026

الأدوات الموسيقية الحية في الأغنية الفراتية

أسامة عبد الكريم خلف

تشتهر محافظة الرقة السورية بتنوع وثراء التراث اللامادي الذي انسجم ونشأ من مناخ الطبيعة والمناخ ونمط الحياة للسكان المحليين بين مربي الماشية “الإبل الشياه” وبين الزراعة على ضفتي نهر الفرات وروافده “البليخ الجلاب”، وهو ما أدى لخلق مفردات حياتية سواء في الحياة السابقة لعقودٍ مضت من المسكن “القبب الطينية، بيت الشعر” والملبس “القطن، الصوف” بل وحتى الغناء بأشكاله “الموال والموليا، الحداء، النعاء” والشعر الشعبي، فكانت الآلات الموسيقية متلازمة بين نمط العمل والمعيشية وصنعها أهالي الرقة من جلود ومنتجات ثروته الحيوانية “الربابة، الدف”.

والربابة بالرقة الفراتية أو “صوت الأرض” والتي تُصنع من الخشب (كالزان) وجلد الماعز للطارة (الجسم)، ووتر واحد من شعر ذيل الخيل، وتتميز بوجود “الكراب” (عصا) وقوس من شعر الخيل، وتتطلب مهارة يدوية لإنتاج هذه الآلة الوترية القوسية التي تعكس تراث البادية والموسيقى الشعبية.

أمّا الدف في الرقة فهو جزء من التراث الموسيقي بالجزيرة السورية “الرقة، ديرالزور، الحسكة”، وتعتمد على صناعة الإطارات الخشبية (غالباً من الرمان أو الخيزران) وشد الجلد عليها (غنم أو ماعز)، مع إضافة الصنوج النحاسية، وتُستخدم بشكلٍ خاص في المناسبات والأعراس بل حتى الطقوس الدينية الصوفية.

وتحافظ الذاكرة الحيّة على أنواعٍ متعدّدة من الأغنية الشعبية الخاصة بالرقة التي ترافقها أدوات حيّة “الدف، الربابة” منها الموال الفراتي الذي هو جزء من الأغنية الشعبية التي تمتاز بصفاتٍ أساسية، فهي ذات كلمات بسيطة، لكنّها عميقة المعنى، وتعتمد بشكلٍ أساسي على أدواتٍ موسيقية بسيطة، كالدّف، والمزمار، والربابة، وتمتاز أيضاً بالصدق والعفوية، فهي تلبي حاجات الإنسان ورغباته أكثر من الأغنية التي تغنى باللغة الفصحى، لأنّها أقرب إلى القلب بمضمونها، وتعدد ألوانها، وأهمها: “العتابا، النايل، السويحلي، الميمر، الأبوذية”.

أمّا الموليا التي عرفها باحثون ومهتمون من مدينة الرقة أبرزهم الباحث الدكتور محمود النجرس في حديث سابق لموقع eRaqqa قائلاً: هي جنس أدبي وليد عصر امتزاج الثقافات، واختلاط الأنساب، وتقهقر اللغة العربية الفصحى، أمام انتشار اللهجات العامية.

وعن أصلها ونشأتها يقول: الآراء مختلفة حول نشأتها، فمن الباحثين من يقول إنّها نشأت في العهد الأموي في واسط العراق، اخترعها الواسطيون العرب فتعلمها عبيدهم ومواليهم الذين كانوا يعملون في حقولهم، يغنونها عند صعودهم إلى رؤوس النخيل لقطف ثمارها، وينهون غناءهم بكلمة يا مواليا، إشارة إلى سادتهم الجدد من العرب، فغلب عليها هذا الاسم واشتهرت به. 

وآخرون ينسبونها إلى الأنباط الذين سكنوا سواد العراق، ومشارق بلاد الشام، فعندما خبا نجم دولتهم وأصبحوا فلاحين لدى سادة المنطقة الجدد من العرب بعد الفتح الإسلامي، كانوا يغنونها أثناء عملهم بالحقول وينهونها بكلمة يا مواليا، ومنهم من ينسبها لتتالي القوافي المتشابهة في الشعر العربي مستندين بهذا الرأي لشهادة “ابن خلدون” في مقدمته، حيث كان لعوام “بغداد” نوع من الشعر الملحون يسمونه المواليات، إذ يقول:

طرقت باب الخبايا، قالت من الطارقْ

فقلـتُ مفتونٌ لا نـاهبٌ ولا سـارقْ

تبسمَتْ فلاح لـي من ثغـرها بـارقْ

ورجعت حيران في بحر أدمعي غارقْ

وعن أشهر من كتبها في محافظة “الرقة” وأشهر من غناها ردَّ “النجرس”: “سيد الموليا في محافظة الرقة بلا منازع هو المرحوم محمد الذخيرة والد الشاعر محمود الذخيرة، وأحفظ له الجميلَ من شعر الموليا، حيث يقول بإحداها:

يـهيم دليلي نقيـط البوم بنعايا

سهران ليل الدجى سهران بنعايا

يوم الملاقى اسقانيَ الزين بنعايا

اشربت يوم خذاني النوم عشويه”.

 

شارك

مقالات ذات صلة