مجتمع

فراغ إنساني يتسع في مخيمات الشمال السوري

يناير 2, 2026

فراغ إنساني يتسع في مخيمات الشمال السوري

لم تعد مخيمات الشمال السوري مجرّد مساحة انتظار مؤقتة لعودةٍ مؤجلة، بل تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى مرآةٍ واضحة لفراغٍ إنساني يتّسع بصمت، فراغ لا يظهر فجأة، ولا يُقاس بلحظة انقطاع واحدة، بل يتشكّل تدريجيًّا مع تراجع الخدمات الأساسية، واختفاء المساعدات، وتآكل شبكات الدعم التي كانت تشكّل الحد الأدنى من الاستقرار لمئات آلاف النازحين.

في هذه المخيمات، لم يعد السؤال مقتصرًا على حجم المساعدات أو انتظامها، بل على غيابها شبه الكامل في قطاعات تمسّ تفاصيل الحياة اليومية: من الغذاء والمياه، إلى الصحة والنظافة، وصولًا إلى العمل وسبل العيش٬ ومع كلّ تقليص جديد، تتّسع المسافة بين الاحتياج القائم والاستجابة المتاحة، لتتحوّل الأزمة من نقص دعم إلى واقعٍ معيشي هشّ بلا بدائل.

هذا الواقع لم يكن وليد لحظة واحدة، بل نتيجة مسار طويل من التراجع التدريجي في التمويل الإنساني، تغيّرت خلاله أولويات المانحين، وتقلّصت التغطية، واختُزلت برامج الدعم إلى مستويات لم تعد قادرة على حماية الفئات الأشدّ ضعفًا. وبينما تشير البيانات الدولية إلى استمرار ارتفاع الاحتياجات، تعكس الشهادات الميدانية صورة أكثر قسوة، حيث باتت العائلات تواجه أعباء المعيشة اليومية وحدها، في بيئةٍ تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.

 

حين تنهار القطاعات الأساسية دفعة واحدة.

إنّ تراجع الخدمات في مخيمات الشمال السوري ما عاد مسألة قطاع واحدٍ يمكن احتواؤها٬ بل بات حالة عامة تطال معظم مقومات الحياة الأساسية، في ظلّ انحسار التمويل الإنساني وغياب برامج بديلة قادرة على سد الفجوة المتزايدة. فخلال السنوات الأخيرة، شهدت المخيمات تراجعًا متزامنًا في قطاعات الغذاء والمياه والصحة والنظافة، ما انعكس مباشرة على الأوضاع المعيشية لمئات آلاف النازحين.

تشير بيانات إنسانية حديثة إلى أنّ أكثر من 80% من العائلات المقيمة في مخيمات شمال غربي سوريا لم تعد مشمولة بأيّ برنامج دعم غذائي منتظم، مقارنة بسنواتٍ سابقة كانت فيها غالبية الأسر تتلقى مساعدات شهرية، ويتزامن ذلك مع حرمان نحو 636 ألف نازح من خدمات المياه والصرف الصحي، في وقتٍ تعتمد فيه آلاف العائلات على شراء المياه بتكاليف شهرية تتراوح بين 50 و100 دولار، وهو مبلغ يفوق قدرة معظم الأسر التي تعاني أصلًا من انعدام مصادر الدخل.

في القطاع الصحي، تُظهر التقارير الميدانية إغلاق أو تقليص عدد كبير من النقاط الطبية داخل المخيمات أو في محيطها، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف المعاينة الطبية وتحميل الأسر أعباء إضافية، في ظلّ غياب برامج دعم صحي أو تغطية دوائية منتظمة. ويوازي ذلك توقف دعم خدمات النظافة وجمع النفايات في العديد من المخيمات، ما يفاقم المخاطر الصحية والبيئية، خاصة في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية.

يأتي هذا التراجع في وقت ما يزال فيه أكثر من 1.39 مليون نازح يعيشون داخل المخيمات في شمال غربي سوريا، وسط معدلات بطالة مرتفعة وانعدام شبه كامل لفرص العمل. وبينما تستمر الاحتياجات الإنسانية عند مستويات مرتفعة، تعكس مؤشرات التمويل فجوة متزايدة بين حجم الأزمة والاستجابة المتاحة، ما يحوّل المخيمات تدريجيًّا من فضاءٍ إغاثي مؤقت إلى واقعٍ معيشي هشّ بلا شبكة أمان.

في ملفّ المياه، لم يقتصر التراجع على تقليص الكميات أو انتظام الضخ، بل طال وجود الخدمة بحدّ ذاته، بعد توقف برامج الصهاريج المدعومة التي شكّلت المصدر الرئيسي للمياه في معظم المخيمات٬ هذا الانقطاع دفع العائلات إلى الاعتماد على الشراء المباشر، ضمن سوق غير منظم، وبكلفةٍ شهرية تصل إلى عشرات الدولارات، ما خلق تفاوتًا واضحًا في القدرة على الحصول على المياه بين الأسر، وربط أحد أبسط الحقوق الإنسانية بالقدرة المادية. يترافق ذلك مع غياب شبه كامل لخدمات الصرف الصحي والنظافة العامة، ما حوّل المخيمات إلى بيئات عالية الخطورة صحيًّا، خاصة في ظلّ الاكتظاظ وارتفاع درجات الحرارة.

في هذا السياق، يرى خالد القيس، معلّم لغة إنكليزية ومقيم في مخيمات أطمة، أنّ تراجع خدمات المياه والصحة انعكس مباشرة على الحياة اليومية للأهالي، مشيرًا إلى أنّ الحصول على المياه بات مرتبطًا بالقدرة على الدفع، في حين تحوّلت الرعاية الصحية إلى عبءٍ مؤجل٬ ويقول لموقع سطور سوريا: إنّ كثيرًا من العائلات باتت تؤخّر مراجعة الأطباء أو الاكتفاء بالحلول المؤقتة، بسبب ارتفاع تكاليف المعاينة والأدوية، مضيفًا أنّ غياب النقاط الطبية داخل المخيمات جعل المرض جزءًا من القلق اليومي، لا حالة طارئة فحسب.

من جهته، يختصر أحمد الأحمد، عامل بناء من ريف حماة ونازح في ريف إدلب بمخيمات الشمال السوري، أثر تراجع الخدمات بجملةٍ واحدة: “الخدمة لمّا تختفي، بتصير الحياة كلها أغلى”.

 ويؤكد أنّ شراء المياه بات يستنزف جزءًا كبيرًا من دخل الأسر القليلة التي ما تزال قادرة على العمل، في حين تعجز العائلات الأخرى عن تأمين احتياجاتها الأساسية بشكلٍ منتظم٬ ويضيف أنّ غياب الخدمات الصحية داخل المخيمات يجبر الأهالي على المفاضلة بين العلاج والاحتياجات المعيشية الأخرى، معتبرًا أنّ هذا الواقع يعكس انتقال العبء كاملًا من المنظمات إلى السكان أنفسهم، دون أيّ شبكات أمان.

 

حين يتحوّل الفراغ الإنساني إلى بطالة دائمة.

لا يقتصر الفراغ الإنساني في مخيمات الشمال السوري على تراجع الخدمات الأساسية فحسب، بل يتجلّى بوضوحٍ في غياب فرص العمل وسبل العيش، ما يجعل العائلات عالقة في دائرة مغلقة من الاعتماد القسري والعجز الاقتصادي٬ فمع توقف برامج الدعم النقدي ومشاريع سبل العيش التي كانت محدودة أصلًا، باتت المخيمات فضاءات بلا اقتصاد محلي، حيث ترتفع معدلات البطالة وتنعدم البدائل.

تشير تقديرات إنسانية إلى أنّ الغالبية العظمى من القاطنين في المخيمات لا يملكون مصدر دخل ثابت، في ظلّ ضعف فرص العمل في المناطق المحيطة، وغياب أيّ برامج تمكين اقتصادي مستدام٬ هذا الواقع يجعل الأسر عاجزة عن تأمين احتياجاتها الأساسية، من الغذاء والمياه إلى الرعاية الصحية، ويحوّل أيّ انقطاع في الخدمات إلى أزمة معيشية مباشرة.

يقول أحمد السعيد، طالب شريعة في السنة الرابعة ومقيم في مخيمات أطمة لموقع سطور سوريا: إنّ غياب العمل يجعل الحياة في المخيم قائمة على الانتظار فقط، موضحًا أنّ معظم الشباب لا يجدون فرصًا حقيقية للعمل، وإن وُجدت فهي موسمية ومحدودة الدخل. ويضيف أنّ البطالة لا تعني فقط فقدان المال، بل فقدان القدرة على التخطيط للمستقبل، سواء بالعودة أو الاستقرار.

من جهتها، ترى منى العبدالله، مدرّسة تربية إسلامية ومقيمة في مخيمات كفرلوسين شمالي إدلب، أنّ غياب فرص العمل يعمّق هشاشة الأسر، خاصة النساء المعيلات٬ وتوضح أنّ كثيرًا من العائلات باتت تعتمد على الديون أو المساعدات الفردية، في ظلّ انعدام أيّ برامج تمكّنهم من الاعتماد على أنفسهم، معتبرة أنّ استمرار هذا الواقع يحوّل المخيم من مساحةٍ مؤقتة إلى حالة دائمة من العجز الاقتصادي والاجتماعي.

يؤكد عبد الإله أبو جواد، مدير مدرسة ابتدائية ونازح عن منطقته بمخيمات أطمة، لموقع سطور سوريا أنّ استمرار الناس في المخيمات لا يعود إلى غياب الرغبة في العودة، بل إلى غياب شروطها، موضحًا أنّ العيش بلا خدمات وبلا عمل يجعل أيّ قرار مستقبلي محفوفًا بالمخاطر٬ ويضيف أنّ تحويل النصر السياسي إلى استقرار فعلي يتطلّب سياسات واقعية تبدأ بتأمين الحد الأدنى من الحياة الكريمة، لا الاكتفاء بالدعوات العامة.

في ظلّ هذا الواقع، لم يعد الفراغ الإنساني في مخيمات الشمال السوري مسألة أرقام أو تقارير دورية، بل حالة معيشية يومية تتراكم فيها الأزمات دون أفقٍ واضح للحل٬ فمع تراجع الخدمات الأساسية وغياب فرص العمل، باتت المخيمات مساحة عالقة بين نزوح لم ينتهِ وعودة لم تبدأ، حيث تتحمّل العائلات عبء الحياة كاملة دون شبكات أمان أو بدائل حقيقية.

وبين تفهّم صعوبة المرحلة وتعقيدها، يبقى السؤال مفتوحًا حول قدرة المنظومة الإنسانية والجهات المعنية على إعادة بناء استجابة تتجاوز إدارة الأزمة إلى معالجتها، قبل أن يتحوّل الفراغ الإنساني في المخيمات إلى واقعٍ دائم يصعب الخروج منه.

 

 

 

 

 

شارك

مقالات ذات صلة