أدب

جمال الدين الأفغاني.. من حارة أم الغلام إلى قهوة متاتيا

جمال الدين الأفغاني.. من حارة أم الغلام إلى قهوة متاتيا

من الشخصيات القلقة في التاريخ العربي، جمال الدين الأفغاني، ومن الصعوبة حسم بعض الأمور الإشكالية في تجربته وحياته الشخصية، وهذا النوع من الشخصيات يصاحب القارئ في حياته ليقرأ عنهم كلّما صدر كتاب أو بحث يتناول زوايا حياتهم.

تحيّرني شخصية جمال الدين، ولكن الأهم أنّها تلهمني في قدرة رجل واحد بحضوره واتساقه مع أفكاره على التأثير في جيلٍ كامل. عُدت إلى كتاب أنور الجندي “الشرق في فجر اليقظة.. صورة اجتماعية للعصر من 1871 إلى 1939″، ففي الفصول الأولى منه طربت لعدة مواضيع، وهي النظر إلى الشخصية الواحدة في عدة مذكرات، لأنّها من هواياتي في القراءة والبحث، وقد فعل ذلك أنور الجندي مع جمال الدين الأفغاني.

في عام 1871 وصل إلى القاهرة جمال الدين الأفغاني، وقد اتصل مع الأفغاني عشرات من الأعلام، منهم: شكيب أرسلان، وعبد القادر المغربي، وعبد المحسن الكاظمي في العراق، ومحمد عبده في مصر.

أقام جمال الدين في منزلٍ متواضع بجهة كوم الشيخ سلامة في العتبة بالقاهرة، ثمّ حارة أم الغلام بحيّ الحسين. وكانت ندوته “هي قهوة متاتيا” أمام حديقة الأزبكية ليلًا، حيث يجتمع حوله المثقفون. وقد حرّك المجتمع الخامل وكتب: “أنت أيها الفلاح المسكين، يا من تشق قلب الأرض بسنّ فأسك، لتنبت منها ما يسدّ الرمق، وتقوم بأود العيال، لماذا لا تشق قلب ظالمك؟ لماذا لا تشق قلب الذين يأكلون ثمرة أتعابك؟”.

كان ذلك في أواخر عصر الخديوي إسماعيل. توفيق يتطلع إلى منصب أبيه. يقابله إبراهيم الهلباوي المحامي الشهير وهو شاب صغير، ويحقد عليه بسبب دعاية كثير من المشاهير ضدّه، لكن الهلباوي انقلب إلى الإعجاب به، فقد تبيَّن له أنّ الرجل على علم غزير وذكاء واسع.

يخرج الأفغاني إلى قهوة متاتيا، مقره المختار، بعد الغروب فتتحلق حوله طوائف من المثقفين، وتستمر المسامرة حتى منتصف الليل حتى يأخذ الشيخ طريقه إلى بيته المتواضع في حارة أم الغلام. ينقل أنور الجندي وصف لطفي جمعة للأفغاني، لفت نظري فيه حديثه عن أعيان مصر الذين يتهافتون على مجلسه ويسعون إلى القرب منه ويتشرفون بمعرفته. وكان الشيخ في كلامه يحضّ على الثورة والعصيان ضدّ الظالم ويطعن على استبداد إسماعيل ويهيج أفكار المصريين. وقد أتيح له أن يُلقي دروسًا في الأزهر الشريف، فحصل عليها إقبال شديد، ولكن الوزير رياض باشا منعه من الاستمرار.

يؤكد شبلي شميل هذا الوصف، فهو يصف الأفغاني بأنّه ذو حديث طليّ شهيّ، لا يمل منه سامعه، مع فصاحةٍ عربية ولكنّها ممزوجة ببعض لكنة أعجمية، تنمُّ عن أصله الغريب، وإنّما وقعها على الأذن كان محبوبًا، فهو فيلسوف من الفلاسفة المشائين أو بالأحرى الرواقيين، ورواقه كان رواق القهوة، فقد كان ينشر تعاليمه في طي المحادثات الاعتيادية، ولكنّها كانت محادثات خلابة في لذة المعنى وحُسن الانسجام. ويرى شبلي شميل أنّ جمال الدين لم يكُن من المتدينين.

كانت المقاهي أماكن للتعبير. لخَّص الكاتب أحمد بهاء الدين في كتابه “أيام لها تاريخ” أهمية هذا الدور بقوله: “ففي مقهى متاتيا في القاهرة كان جمال الدين الأفغاني يوزع السعوط* بيمناه، والثورة بيسراه”. السعوط: نَشُوق، مستحضر من دقيق التّبغ يمكن تعاطيه بالشمّ.

كان الشيخ جمال الدين طروبًا ويحب مجالس الغناء، وكان يتكلم بالعربية الفصحى في كلّ مكان وفي كلّ ظرف، ولم يلجأ مطلقًا إلى العامِّية، وكان يصفها بأنّها اللهجة المخنثة، ويمقتها. ولم يكُن متزوجًا، ولم يسمع لطفي جمعة عن علاقة له بالنساء، بل كان يمقتهن ولا يذكرهن بخير. وكان يكره الحلو ويحبّ المر، يأكل مرة كلّ يوم، ولا يأكل إلا منفردًا، ويكره الكتابة ويتثاقل منها، فإذا رام إنشاء مقالة ألقى على كاتب مثل إبراهيم اللقاني إلقاءً قلَّما يراجعه ويصلحه، فيجيء أول وهلة مسبوكًا مفزع المعاني بقوالب لفظ لا تنقص عنها ولا تزيد.

ولما سافر المؤلف سليم عنحوري إلى القاهرة عام 1868 تعرَّف إلى الأفغاني وانتفع بصحبته ولازمه حينًا من الدهر في أوقات اجتماعه وخلواته، ووصف عنحوري جمال الدين الأفغاني بقوله: “وهو بالجملة آية من آيات القرن التاسع عشر، ومعجزة من بدائع معجزاته، ولو لم يكن طموحًا إلى المعالي بإفراط وإعجاب وعاجزًا عن كتمان مبدئه وغايته لرحَّب به التاريخ (يا سلام!) وأفرز له من أسفاره صفحاتٍ تترى، زينها برقم أعمال مجيدة تكون قدوة للآتين وذكرى”. وهذا دليل على أن الأفغاني لم يستطِع كتمان مبدئه، لذلك حاربه رجال السلطات في كلّ مكان.

كان جمال الدين يتشوق إلى معرفة أحوال السياسة الدولية. عندما تقابل مع الشيخ عبد الرشيد إبراهيم، سأله: “هل تعرف اللسان الروسي؟ وهل تقرأ الجرائد الروسية؟”، فقال عبد الرشيد: “لا أقرأ الجرائد لأنّ نقودي لا تكفي لشرائها”، فقال جمال الدين: “أنا أعطيك ثمنها وتخبرني بما يُنشر فيها”، فاشترك في ثلاث جرائد مهمة.

ولم تلبث ندوة جمال الدين أن انفضَّت عام 1879، ودخلت الحياة الفكرية في معركة الصراع السياسي مع النفوذ الأجنبي.

زار جمال الدين الأفغاني الأستانة بدعوةٍ من السلطان عبد الحميد سنة 1892 م، فسأله المبعوث: “أين صناديقك أيها السيد؟”، فقال: “ليس معي غير صناديق الثياب وصناديق الكتب”، فقال المبعوث: “حسنًا، أين هي؟”، فقال جمال الدين: “صناديق الكتب هنا (وأشار إلى صدره)، وصناديق الثياب هنا (وأشار إلى جُبّته)”.

ولما استقلَّ جمال الدين الأفغاني السفينة من مصر، جمع له لفيف من تلاميذه والمعجبين به مبلغًا من المال يستعين به، وقدَّموه إليه، فأبى أن يتقبله، وشكرهم وقال لهم كلمته المشهورة: “إنّي كالأسد، لا أعدم قوتًا أينمًا كنت”.

أمنية المازني في لقاء الأفغاني.

يقول إبراهيم عبد القادر المازني: “ليس من عادتي الأسف على ما يفوتني بالغًا ما بلغ، ولكن ما عرض ذكر السيد جمال الدين إلا أدركني الأسف وشاع في نفسي أنّ الزمن لم يتقدم بي بضع عشرات من السنين فأصل أسبابي بأسباب هذا الرجل النادر، وأقتبس من روحه الساحرة التي كانت كأنّها مولد كهربائي ضخم يبعث الحرارة والقوة والحيوية في حيثما حل… فما كان السيد جمال الدين أوحد أهل زمان في العلم أو الفلسفة أو الذكاء وحدّة الفؤاد، ولكنّه كان على التحقيق، وبلا أدنى مراء، أوحَد رجال عصره في قوة الشخصية وسحرها، وفي إيمانه بنفسه وبقدرته على إدراك ما يسعى له وتحقيق ما يدعو إليه، وتنزّه عن كلّ غايةٍ شخصية أو مأرب ذاتي… فما كان يسعى لمجد يفيده، أو مال يصيبه، أو حكم يتولاه، وما جنى هو من مساعيه إلا الأخطار والتشريد، وإنّما كان همه ومُنى نفسه جميعًا أن يوقظ هذا الشرق من رقاده الطويل، وأن يبتعث همته الدانية، ويصدع عنه أغلال الظلم والاستبداد والاستعباد التي كان يرسف فيها، وينشله من وهدة الجهالة التي أخمدت روحه، ويجمع كلمته، ويدفعه إلى التماس القوة والعزة، ولا سبيل إليهما بغير الحرية والعلم”. والحكاية من كتاب “أحاديث المازني”.

الرسالة أم الملك؟

يقول الأديب أحمد حسن الزيات إنّ سِرّ قوة جمال الدين الأفغاني أنّه كان صاحب رسالة لا طالب مُلك، هاجم السياسية الإنجليزية في “العروة الوثقى” أعنف الهجوم أيام الثورة المهدية، فدُعي إلى لندن ليلوّح له اللورد ساليسبري بمُلك السودان ليطفئ الثورة ويقترح الإصلاح، فما كان جواب الأفغاني إلا أن قال: “إنّ السودان لأهله. وهل تملكونه حتى تُملِّكوا عليه؟!». وأراده السلطان عبد الحميد على مشيخة الإسلام فأباها، وقال: “إنّ وظيفة العالم في ما يُزاوِل من تعليم، وإنّ رتبته في ما يُحسِن من علم”.

يقول عنه عبد القادر المغربي في كتابه “ذكريات وأحداث”: “أما فيلسوفنا (الأفغاني) فما كنَّا نراه إلا مُشرِق الوجه، منبسط الأسارير، جذَّاب لحظ المقلتين، تبرق عينه وهو يُحدِّث بما يُسأل عنه، وتنفرج شفتاه عن ابتسامةٍ لطيفة حين سماعه النوادر من جلسائه، ولهذا أَحَبَّه مريدوه، وكَثُرَ زُوَّاره، وشاعت في الناس أخباره”.

روى الأستاذ عباس محمود العقاد في بعض كلامه عن سعد باشا زغلول، وقد بشَّره (أي بشَّر سعدًا) يومًا أحد أصحاب الرؤى والأحلام بنجاح الوفد في الانتخابات النيابية، فقال سعد: “وماذا عليه؟” إن أخفقنا معشر الوفديين لم نَرَ له وجهًا، وإن نجحنا جاءنا يطلب البشارة”.

ثمَّ تابع سعد حديثه حاكيًا حكاية السيد جمال الدين الأفغاني مُذ كان مسافرًا في سفينةٍ وقد خِيفَ عليها الغرق، فقال: “أخبرنا الشيخ جمال الدين أنّه لما رأى الصبية والنساء وضعاف القلوب في السفينة يضطربون ويهلعون، ذهب يؤكد لهم أشد التوكيد أنّ سفينتهم لن تغرق في تلك السفرة، ويُقسِم لهم إنّها لناجية بلا مراء. قال الشيخ: وكان القوم يظنُّون فيَّ القداسة منذ رأوني بالعمامة الخضراء، فيحسبونني من دراويش الهند الذين يكشفون الغيوب، ويطَّلِعون على أسرار المستقبل، والمسألة بَعْدُ مسألة حسابية، إن غرقت السفينة لم أَجِدْ منهم مَن يكذِّبني، وإن سَلِمَتْ ظفرتُ بالقداسة من أقرب سبيل”.

خاطرات الأفغاني

رُوي للسيد جمال الدين الأفغاني كلمات كان يقولها في مناسباتها: “كان إذا أقسم قال: وعزة الحق وسر العدل. الحقائق لا تزول بالأوهام – من سفه الرأي أن يعتقد الرجل أفضليته على الغير بالعمر والمشيب فقط – الفخر بالقول المجرد يبطله المجد بالفعل – لا يُؤمن بربوبية القوة إلا شبح الضعف – الأكفاء في العصر لا يكونون على الغالب أصدقاء – تطويل المقدمات دليل على سقم النتائج – من رهب الملوك لغير جريرة فهو الصعلوك – صاحب الحاجة إذا لم ينطق بحاجته أولى بالخرس – ألف قول لا يُساوي في الميزان عملًا واحدًا – إسراف الإنسان بصحته أضر من إسرافه بثروته – بالضغط والتضييق تلتحم الأجزاء المبعثرة – القبة الجوفاء لا ترجع إلا الصدى – شر الأزمنة أن يتبجح الجاهل ويسكت العاقل – الأديب في الشرق يموت حيًّا ويحيا ميتًا – قيد الأغلال أهون من قيد العقول بالأوهام – القوي من الشجر لا يعجل بالثمر – (اللغة) العربية وسعها البدو في البراري والقفار، وضيقها الحضر في المدن والأمصار – العلم قد يكون في الأحداث ولكن التجارب لا تكون إلا في الشيوخ”. الله يرحمه. المصدر: “فيض الخاطر”، أحمد أمين.

كان الأفغاني متناقضًا، فهو يصلي في دار الأوبرا الروسية حتى يسمع القيصر عن الإسلام، ويؤخر الصلاة عن موعدها في مرة أخرى وينبه صوفيًّا فيقول له: “الصلاة لها قضاء، لكن صحبتكم ليس لها قضاء”، وهو لا يأبه للمال الذي يرسله إليه السلطان عبد الحميد، ويرميه على الأرض ويأخذه الدراويش من حوله، فهو يترفع عن المال وأهل السلطة. ويقول لعبد الرشيد إبراهيم ردًّا على سؤال في الفقه الإسلامي ساخرًا منه ومبتسمًا: “أما زلت تهتم بالمسائل الفقهية؟ ستغرق في طوفان من المتناقضات”. وأخذ يسأل عن أحوال بلاد روسيا. هذا رجل ناشط سياسي غريب الأطوار ومسعر حرب ويسير على غير نظام الناس، ويكهرب الأجواء بتصرفاته وسلوكه.

شارك

مقالات ذات صلة