ثقافة
بلال خربوطلي
لا تُبنى قراءة كيف كانت طبيعة الحكم في سوريا على واقعةٍ بعينها، ولا على تسجيل أو مادة ما، فالمسألة تتصل ببنية تشكّلت عبر سنواتٍ طويلة من الممارسة السياسية والأداء العلني. ما يظهر تباعاً من صورٍ ومقاطع ولقطات متفرقة، مهما اختلفت سياقات ظهورها، لا ينتج دلالة جديدة بقدر ما يكشف آلية مستقرة في الحكم، آلية تُدار فيها السلطة بوصفها تمثيلًا شكلياً لا ممارسة سياسية فعلية.
منذ بدايات الحضور الإعلامي لبشار الأسد تكرّس نمط واضح في خطاباته، يقوم على جُملٍ طويلة تفتقر إلى خلاصات محددة، وانتقال متواصل بين أفكار عامة لا يجمعها سياق تحليلي، واستعمال مصطلحات فلسفية بطابعٍ إنشائي لا يعكس فهماً عميقاً. وقد اقترن هذا النمط بذهنية تواجه التعقيد بصعوبة، وتميل إلى التبسيط المخلّ، والاستهزاء، والإنكار.
ضمن هذا الإطار، يمكن قراءة ما تكشّف في الأيام الأولى التي تلت سقوط النظام من مواد مصوّرة ولقطات متداولة لبشار الأسد، بما فيها الصور التي سُرّبت من حياته الخاصة في وضعيات استعراضية، وكذلك الفيديوهات المسربة التي ظهر فيها مع مستشارته لونا الشبل، بوصفها شواهد إضافية على نمط أقدم في الظهور العام، لا أحداثاً مستقلة أو مفاجآت.
حين تتحول محدودية التفكير إلى آلية من آليات الحكم وإدارة المجتمع.
تكمن خطورة هذا النمط في أنّه يتضخم ليتجاوز حدوده الشخصية لأنّه يقترن بسلطة مطلقة وأجهزة قمع غير محدودة. عند هذه النقطة، تصبح البلاهة جزءاً من آلية إنتاج العنف. ومحدودية الخيال السياسي تدفع نحو خيارات مباشرة وقاسية، ترى في القوة الوسيلة الوحيدة لإدارة الواقع. غياب القدرة على التحليل يفتح الباب أمام حلول اختزالية تُعامل المجتمع باعتباره مادة للسيطرة لا كياناً سياسياً حياً.
هذا التضخم لا يبقى محصوراً في مستوى القرار السياسي، وإنّما يتسرّب إلى البنية الاجتماعية نفسها. الخوف يتحوّل إلى عنصرٍ منظّم للعلاقات، والحذر يصبح قاعدة للسلوك اليومي، ويُعاد ترتيب الثقة بين الأفراد على أساس ضيق تحكمه دوائر العائلة أو الجماعة الصغيرة. في هذا المناخ، تتآكل القدرة على الفعل الجماعي، لا نتيجة لغياب الرغبة، وإنّما نتيجة خبرة قاسية علّمت المجتمع أنّ الاقتراب من المجال العام يحمل كلفة عالية. العنف هنا لا يفتك بالأجساد فقط، وإنّما يضرب القدرة على الاجتماع، وعلى التضامن، وعلى تخيّل مستقبل مشترك.
استمرار آلية الحكم من التوريث إلى الثورة.
في الحالة السورية، لم يكن انتقال الحكم إلى الأسد الابن لحظة قطيعة أو بداية جديدة، كان استمراراً لمنظومةٍ جرى بناؤها على مدى عقود لإفراغ السياسة من مضمونها. الدولة تحوّلت تدريجياً إلى جهازٍ أمني، والمجتمع إلى مجال مراقبة، والفعل العام إلى مخاطرة. وعندما اندلعت الثورة، لم تُفتح مسارات سياسية، ولم تُطرح أسئلة جدية حول طبيعة الحكم أو إمكان إعادة تعريف العلاقة مع المجتمع، بل جرى التعامل مع الحدث بوصفه خطراً يجب احتواؤه بالقوة. توسعت المعتقلات، أصبح الحصار سياسة، وتحوّل القصف إلى لغةٍ يومية، فيما استمر الخطاب الرسمي في استخدام لغة تقنية باردة تُجرّد العنف من دلالته الإنسانية.
الأدب السياسي وتعرية السلطة المنفصلة عن الواقع.
الأدب السياسي تناول هذه الظاهرة مراراً، وكسر الصورة التي تربط الطغاة بالذكاء الاستثنائي. في “خريف البطريرك” لغابرييل غارسيا ماركيز، يظهر الحاكم ككائنٍ متآكل، غارق في ذاته، عاجز عن رؤية العالم خارج صورته الخاصة. سلطته قائمة على الاحتكار لا على الفهم، وعلى الخوف لا على القدرة. هذا النموذج يساعد في فهم الحالة السورية: نظام يستمد بقاءه من إدارة الخوف لا من السياسة، ومن القوة لا من الشرعية.
وفي مسرحية “A Play of Giants” لولي سوينكا، نرى طغاة يتحوّلون إلى شخصياتٍ كاريكاتورية: متباهين، فارغين، مأخوذين بذواتهم، غير مدركين حجم الخراب الذي يصنعونه. السخرية هنا ليست للضحك، بل للكشف. فعندما تسقط الهيبة المصطنعة، يتعرى الاستبداد في صورته الحقيقية: سلطة بلا عقل، قوة بلا غاية، وعنف بلا حدود.
الحديث عن تفاهة بشار الأسد ليس تقليلاً من حجم الشر الذي ارتبط به. على العكس تماماً، هو تفكيك للوهم الذي يعطي الاستبداد وزناً فكرياً أو عقلانياً. لا وجود لعقلٍ استثنائي أخطأ الحساب، ولا زعيم تاريخي ضلّ الطريق. هناك شخص محدود الأفق يقود منظومة قتل عملاقة. وهنا تبرز أهمية ما قالته حنّة آرنت عن تفاهة الشر: “ليس الشر دائماً نتاج نفوس شيطانية تدرك تماماً ما تفعل، بل قد يُنتج عبر أشخاص يعملون من دون عمقٍ فكري أو وعي أخلاقي، ضمن آليات مغلقة تحوّل العنف إلى روتين يومي”.
الغياب في اللحظة الحاسمة خلاصة لمسار طويل.
مع اللحظات الأخيرة من وجود النظام في دمشق، ظهر ما يكشف طبيعة الحكم الذي ارتبط بشخصٍ واحد أكثر ممّا ارتبط بأيّ بنية سياسية أو مؤسسية. اختفى رأس السلطة ليلاً تحت حماية الروس من دون أن يوجه خطاباً، أو يصدر إعلاناً، أو يقدّم كلمة أخيرة للموالين والجنود. لم يكن ذلك مفاجئاً؛ فقد كان امتداداً لنمطٍ طويل من الحضور الشكلي عند المواقف العادية، والغياب الكامل عند اللحظات التي تحتاج إلى قرارٍ واضح أو موقف مباشر.
في الساعات الأولى لصباح يوم الثامن كانون الأول حملت شوارع العاصمة ما يشبه الخلاصة البصرية لكلّ ما سبق: بدلات عسكرية مرمية قرب حاويات القمامة، وعلى الأرصفة. هذا المشهد اختصر النهاية كلها. فهنا سقطت الفكرة التي حاول النظام بناءها لعقودٍ عن “الدولة الصلبة” و”الجيش العقائدي” و”القائد الضرورة”.كان سقوط النظام أقرب لنهاية وهم منه لنهاية سلطة. التلاشي هنا كان تأكيداً أنّ الخواء الذي أدار البلاد لسنوات انكشف كاملاً عند اللحظة الحاسمة.
ما بعد السقوط: سؤال السياسة والعنف المفتوح.
لم يكن سقوط النظام انتقالاً سياسياً مكتمل المعنى، وإنّما لحظة انكشاف. انكشاف سلطة عاشت طويلاً على صورتها، ثمّ تبيّن أنّها لم تبنِ ما يكفي لتبقى حين تختفي تلك الصورة. المجتمع الذي خرج من هذه التجربة لا يواجه مهمة إعادة بناء السياسة فقط، وإنّما مهمة أكثر تعقيداً تتمثّل في تفكيك الأثر العميق لعنفٍ تحوّل إلى نمط حكم وإلى خبرة اجتماعية ممتدة. من هنا، لا ينتهي السؤال عند سقوط الحكم، وإنّما يبدأ عند محاولة استعادة الفعل العام بوصفه ممارسة ممكنة، وإعادة ترميم القدرة على الاجتماع من دون خوف، بعد عقودٍ جرى فيها تقويض هذه الإمكانية بصورة منهجية.


