سياسة
لا تُختزل معركة تنظيم داعش في سوريا في عدد الغارات أو أسماء القادة الذين سقطوا، بل باتت معركة مركّبة تدور على مستويين متوازيين: تفكيك البنية التنظيمية الميدانية، وكسر السردية الأيديولوجية التي تسمح للتنظيم بإعادة إنتاج نفسه كلّما ظنّ خصومه أنّه انتهى. فالضربات الأخيرة، من عملية “عين الصقر” إلى اعتقال “ولاة” دمشق وحوران خلال أقل من 24 ساعة، تكشف انتقال المواجهة إلى مستوى استخباراتي متقدّم، لكنّها في الوقت نفسه تطرح سؤالاً أكثر إلحاحاً: هل يكفي تفكيك الشبكات دون تفكيك الخطاب الذي يغذّيها؟
ما الذي تغيّر في مقاربة المواجهة؟
لم يكن تزامن العمليات الأمنية الأخيرة تفصيلاً تقنياً، بل مؤشراً على اختراق عميق لبنية التنظيم. فالانتقال من استهداف خلايا البادية إلى إسقاط قيادات تعمل في بيئاتٍ مدنية مكتظة يعني أن التنظيم فقدَ قدرته على الفصل بين “الميدان” و”الملاذ”. التنسيق السوري الدولي لم يعد يقتصر على تبادل معلومات عامة، بل دخل مرحلة العمل المشترك في بناء بنك أهداف استخباراتي، يقوم على تتبع الشبكات، لا الأفراد فقط.
من منظور تنظيمي، يعاني التنظيم اليوم من تآكل داخلي واضح. الأجيال القيادية التي تملك الخبرة العقائدية والتكتيكية إمّا قُتلت أو عُزلت، وما تبقى هو طبقات تنفيذية هشة، عاجزة عن التخطيط بعيد المدى. وهذا ما يفسّر سرعة انهيار الخلايا في دمشق وحوران، وغياب أيّ قدرة على الردّ أو التشويش الأمني.
تراجع البنية لا يعني نهاية الخطر.
غير أنّ الخطأ الاستراتيجي الشائع في مواجهة التنظيمات الجهادية هو الخلط بين إضعاف القدرة العملياتية وإنهاء التهديد. لم يعتمد التنظيم تاريخياً، على السيطرة الميدانية فقط، بل على قدرته على إنتاج سردية تعبئة تتجاوز الجغرافيا. ومع كلّ انتكاسة عسكرية، كان يعيد تعريف نفسه كـ”فكرة مظلومة” أو “طليعة صابرة”، مستثمراً الفراغات الاجتماعية والاقتصادية والنفسية.
في هذا السياق، فإنّ الاكتفاء بالعمل الاستخباراتي مهما بلغ من الاحتراف يترك ثغرةً خطيرة ألا وهي استمرار البيئة القابلة للتجنيد. فالخلايا قد تُفكك، لكن القابلية للالتحاق بالتنظيم قد تبقى، خصوصاً في المناطق المهمّشة أو الخارجة من الصراع.
معركة السردية.. الحلقة المفقودة.
إنّ كسر تنظيم داعش لا يكتمل دون كسر روايته عن نفسه. التنظيم بنى دعايته على 3 ركائز أساسية: ادّعاء التمكين، خطاب المظلومية، وتقديس العنف بوصفه خلاصاً. الضربات الأخيرة توفّر مادة خام ثمينة لهدم هذه الركائز، لكنّها تحتاج إلى تحويلها إلى خطابٍ مضاد فعّال، لا يقتصر على البيانات الرسمية أو اللغة الأمنية الجافة.
الخطاب المضاد يجب أن:
يكشف تناقض التنظيم بين ادّعاء “التمكين” وسقوط قياداته في ساعات.
يفضح فشل “مشروع الدولة” وتحوّله إلى شبكات هاربة.
يُحمّل التنظيم مسؤولية الخراب لا يبرّره بالسياق.
يخاطب الفئات المعرَّضة للتجنيد بلغة واقعية، لا وعظية.
من دون هذا الاشتباك الخطابي، سيبقى داعش قادراً على إعادة تدوير نفسه بأسماءٍ جديدة، حتى وهو خاسر ميدانياً.
حرمان التنظيم من التجنيد… المعركة الأطول.
التجنيد هو شريان حياة داعش الحقيقي. وكلّ نجاحٍ أمني لا يُترجم إلى تراجع في معدلات الاستقطاب هو نجاح ناقص. المطلوب هنا ليس فقط خطاباً إعلامياً، بل مقاربة شاملة تشمل التعليم، الإعلام المحلي، الخطاب الديني الرشيد، وإعادة دمج المجتمعات التي أنهكها الصراع.
إنّ التنظيم يستثمر في الإحباط أكثر ممّا يستثمر في الأيديولوجيا. وكلّ فراغ في المعنى أو العدالة أو الأمل، هو فرصة تجنيد مؤجلة. لذلك، فإنّ تحصين المجتمع لا يقلّ أهمية عن تحييد الخلايا.
معركة لم تنتهِ بعد.
ما يجري اليوم في سوريا يشير إلى أضعف لحظة مرّ بها تنظيم داعش منذ ظهوره، لكن الضعف لا يعني الزوال. المعركة الحقيقية تبدأ بعد تفكيك الخلايا، حين يصبح المطلوب تفكيك الفكرة، وتجفيف بيئتها، وكسر قدرتها على الإغواء. من ينتصر أمنياً ويخسر سردياً، قد يربح الجولة ويخسر الحرب. أمّا من يجمع بين الاستخبارات والخطاب، فهو وحده القادر على إنهاء داعش لا ملاحقته إلى ما لا نهاية.


