مجتمع

صناع المحتوى والإنجاز الوهمي

ديسمبر 29, 2025

صناع المحتوى والإنجاز الوهمي

محمد السكري

تشهد سوريا في العام الأول من المرحلة الانتقالية الحالية ظاهرةً فريدة باتت تتوسّع بشكلٍ ملحوظ، وهو ما يمكن وصفه بالاحتفاء بالإنجازات الرمزية والصُّورية، وهي ظاهرة موجودة بشكلٍ كبير في مناطق نظام الأسد، ويمارسها صناع المحتوى سابقاً في مناطقه، ومؤخّراً خلال المرحلة الجديدة في سوريا، ففي المرحلة الانتقالية، باتت تتحوّل مبادرات عامة شكلية مثل تدشين طرق جديدة، باصات، أو عربات عامة أو شاشات إلكترونية في الساحات المركزية، أو التزام وزير بالدور، إلى معايير للتقييم العام والسياسي، حول التغيير والإنجاز في المرحلة الجديدة، رغم أنّ أثر هذه النوعية من المبادرات الفعلي على حياة المواطنين محدود جدًّا.

هذه الظاهرة لا تمثّل مجرّد أسلوبٍ إعلامي للتسويق السياسي، بل تعكس أزمة أعمق في فهم ما تحتاجه البلاد خلال فترة التحول، إذ يقتصر التركيز على الرمزية بدلاً من معالجة الاحتياجات الحقيقية، ما يكرّس فجوة بين الممارسة الملموسة وتوقعات المجتمع تجاه المرحلة، ويمكن تفسير هذا التركيز على الإنجازات الرمزية أي السياسة الرمزية، حيث تُستخدم الرموز لإيهام الجمهور بوجود تقدم، بينما يظلّ التحوّل الهيكلي أو التنمية الحقيقية ضعيفاً. وغالباً يتمّ اللجوء لهذا النوع من السياسية عند غياب التغيير الحقيقي، مع أنّ الملف السوري على الصعيد السياسي يشهد تحولات مهمة منها إزالة قانون قيصر، وهذا يعتبر تحوّلاً جوهرياً.

وعند الحديث عن الرمزية هنا فهي ليست مجرّد أدوات شكلية، بل وسائل لإنتاج وإدارة الرأي العام وتثبيت صورة مغايرة عن الواقع في أذهان المواطنين، بحيث يُنظر إليها كدليلٍ على النجاح والتنمية، في حين أنّ الواقع الاجتماعي والاقتصادي لا يعكس ذلك. ما يجعل هذه الظاهرة أكثر تعقيداً هو أنّ أزمة الفهم لا تقع على السلطة وحدها، بل تشمل الفاعلين الاجتماعيين، الإعلاميين، وصناع المحتوى الرقمي الذين يكررون هذا الخطاب الرمزي باعتباره إنجازاً فعلياً.

هذه الممارسة مستمدة جزئياً من سنوات من الاعتماد على المبالغة في دعم خدمات متدنية، حيث اعتاد الجمهور على تقدير الشكل الرمزي للإنجاز أكثر من جوهره، ما أتاح للعديد من صناع المحتوى الفرصة لإعادة إنتاج الابتذال بشكلٍ طبيعي كجزءٍ من مهنتهم ووسائل تأثيرهم.

ومن الملاحظ أنّ الفئة التي تقوم بهذا النوع من الدعاية المبالغ بها، هي ذات الفئة التي دعمت نظام الأسد، من صناع المحتوى، والذي اعتمد عليهم النظام من أجل تخدير الرأي العام، فطبيعة هذه الفئة تشكّلت وحصلت على إغراءات سياسية، خلال فترة الاستبداد في سوريا، ويبدو أنّها ما زال لديها تصور أنّ تعامل السلطة السياسية في سوريا سيكون مماثلاً للفترة التي حكم بها الاستبداد، بالتالي، ما يدفعها لهذا الفعل هو انتظار الاغراءات السياسية، في ظلّ اعتقادها أنّ التزلف يدفع السلطة للرضا عنها وعن نشاطها، ويساعدها أن تحصل على امتيازات شخصية.

 دون أن تلتفت إلى أنّ سلوكها هذا ينعكس بشكلٍ سلبي على المرحلة الانتقالية ويجعلها عبئاً على أيّ سلطة سياسية تريد تطوير البلاد وتحقيق انتقال نوعي وجوهري في سوريا. وفي الحقيقة هذا التفسير، يدفعني للاعتقاد أنّ هذا النوع من الترويج يتحمّل مسؤوليته صناع المحتوى، لا السلطة السياسية في سوريا، والتي بالفعل استطاعت تحقيق إنجازات جوهرية لا يمكن تجاهلها. وهذا لا يعني عدم وجود شكل من العلاقة بين الحكومة الانتقالية والمؤثرين من أجل دعم مشروعها السياسي، لكن ليس مع هذه الفئة، التي كانت حاملة للنظام السابق.

إنّ هذه الظاهرة القديمة المتجددة تعكس أزمة داخل حدود مجتمع صناع المحتوى الذي يفشل في توجيه النقاش العام نحو الأولويات الحقيقية ويتابع التحوّلات الجوهرية. فصناع المحتوى هنا يساهمون بدور الوسيط بين السلطة والجمهور، إلا أنّ عملهم غالباً ما يغذي الابتذال بدلاً من نقده، إذ تتحوّل الإنجازات الرمزية إلى مادةٍ إعلامية مفرغة من مضمونها التنموي، ويكتفي نسبة من الجمهور بالاهتمام بالمظاهر دون إدراك جوهرها.

من زاويةٍ أوسع، يمكن ربط هذا السلوك بما يعرف بأزمة التحوّلات في المراحل الانتقالية، حيث تواجه المجتمعات تحديات مزدوجة تتمثّل في بناء مؤسسات قادرة على تحقيق احتياجات المواطنين، واستيعاب الفاعلين الاجتماعيين لهذه التحوّلات والمشاركة في صياغتها بوعيٍ نقدي. في سوريا، يبدو أنّ التركيز على الإنجازات الشكلية يعكس ضعفاً في كلا الجانبين، بينما يعيد مجتمع صناع المحتوى إنتاج الخطاب الرمزي باعتباره معياراً للإنجاز، دون مساءلة حقيقية أو نقد معمق.

إنّ هذه الظاهرة تحمل دلالات واضحة على المستقبل القريب للمرحلة الانتقالية، فمع مرور الوقت، من المتوقع أن يتحوّل التركيز على الرموز إلى مادةٍ للانتقاد العام، إذ سيكتشف المواطنون تكرار الابتذال واستغلال صناعة إنجازات وهمية، ما قد يقلل من مصداقية الفاعلين الاجتماعيين والإعلاميين الذين يعيدون إنتاج هذا الخطاب. من هنا، يظهر الدور المركزي للمجتمع المدني في إعادة توجيه النقاش العام نحو ما هو جوهري وملموس، وتحويل المشاركة الاجتماعية من مجرّد تفاعل رمزي إلى رأسمال اجتماعي فاعل يحدّد أولويات الدولة الجديدة ويضمن أن تكون التنمية حقيقية ومستدامة.

إنّ هذه الأزمة الرمزية تعكس حالة ثقافية وسياسية أعمق، إذ يرتبط تقدير شريحة معينة من الجمهور للإنجاز بالمظاهر أكثر من المضمون، وتصبح القدرة على استقطاب الانتباه أهم من تحقيق النتائج، هذا الوضع يؤدي إلى دورةٍ مستمرة من الابتذال، لا سيّما في حال إنتاج السلطات السياسية رموزاً شكلية، أو ميل صناع المحتوى لهذا النوع من العمل المبتذل، ممّا يكرّس حالة من الوهم الجماعي حول التقدم والتنمية. وعند هذا، يصبح النقد والتحليل الموضوعي والالتفات للملفات الوطنية الحساسة والبنيوية في التغير أدوات ضرورية لكسر هذه الدائرة، من خلال توضيح الفرق بين الإنجاز الرمزي والممارسة التنموية الفعلية، وتسليط الضوء على الحاجة لتحديد أولويات واضحة تلبي احتياجات السوريين في الواقع اليومي.

أخيراً، إنّ التركيز على الإنجازات الرمزية والصُّورية يعكس عجز الفاعلين عن توجيه النقاش العام نحو ما هو جوهري. هذه الظاهرة لا تمثل مجرّد سوء إدارة الرأي العام، بل أزمة تتعلّق بكيفية إنتاج المصلحة الوطنية السورية خلال هذه المرحلة الحساسة، وكيفية قراءة ضرورات المرحلة الانتقالية. معالجة هذه الأزمة تتطلب وعياً نقدياً من جميع الفاعلين، وقدرة على تحويل الطاقات المجتمعية نحو الإنجازات الجوهرية، بعيداً عن الرمزية المضلّلة والابتذال من قبل هذه الفئة من صناع المحتوى، لتصبح المرحلة الانتقالية فرصة حقيقية لإعادة بناء سوريا وفق احتياجاتها الفعلية، وليس وفق صورة وهمية لتكريس ثقافة القبول بالأقل على حساب ما يجب أن يكون.

 

شارك

مقالات ذات صلة