اقتصاد

سوريا الجديدة ومعركة إرث الكبتاغون

ديسمبر 21, 2025

سوريا الجديدة ومعركة إرث الكبتاغون

شهدت سوريا في الفترة الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في ضبط شحنات حبوب الكبتاغون واكتشاف مزارع للقنب (الحشيش) في العديد من المحافظات، ما يعكس حجم التحديات التي ما تزال تواجهها البلاد في معركتها الطويلة ضدّ تجارة المخدرات حتى بعد سقوط نظام بشار الأسد. فقد أعلنت وزارة الداخلية السورية مؤخراً عن ضبط مزرعة لزراعة القنب في منطقة دوما بريف دمشق، تحتوي على نحو 240 كيلوجراماً من النبات المخدّر، وأُلقي القبض على القائمين عليها. 

كما كثّفت السلطات الجديدة جهودها لإحباط تهريب الكبتاغون عبر الحدود، بالتعاون مع دول الجوار، إذ تمّ مؤخراً إحباط 7 محاولات تهريب عبر الحدود السورية الأردنية ومصادرة ما يقارب مليون حبة معدّة للترويج. هذه التطورات تطرح سؤالاً جوهرياً: هل نجحت الحكومة السورية الانتقالية فعلاً في القضاء على إرث نظام الأسد في تجارة المخدرات، ذلك الإرث الذي جعل سوريا يوماً ما من أكبر مصدّري الكبتاغون في العالم؟

لقد كان تورط نظام الأسد في تجارة المخدرات أحد أعمدة بقائه الاقتصادي خلال سنوات النزاع. فقد تحوّلت سوريا في عهده إلى ما يشبه “دولة مخدرات”، تدير شبكات تصنيع وتهريب الكبتاغون بشكل شبه احتكاري، وتُقدَّر مساهمتها بما يقارب 80% من الإنتاج العالمي لهذه المادة. وكانت عائلة الأسد وشركاؤها أبرز المستفيدين من عوائد تُقدَّر بمليارات الدولارات سنوياً، استُخدمت في تمويل آلة الحرب والالتفاف على العقوبات الدولية. 

وقد أدى ماهر الأسد، قائد الفرقة الرابعة، دوراً محورياً في إدارة شبكات التصنيع والتهريب بالتنسيق مع مليشيات حزب الله اللبناني، حيث انتشرت معامل الإنتاج قرب الحدود السورية اللبنانية تحت حمايتها، وتمّ تهريب مئات الملايين من الحبوب إلى دول الخليج ودول الجوار. وبهذا المعنى، لم يكن النظام مجرّد متغاضٍ عن تجارة المخدرات، بل كان ركيزةً أساسية فيها، ما جعل سوريا مركزاً إقليمياً لشبكات التهريب والتوزيع.

ومع انهيار النظام أواخر عام 2024، وضعت الحكومة السورية الانتقالية مكافحة تجارة المخدرات في مقدمة أولوياتها باعتبارها معركة لاستعادة سيادة القانون وتفكيك منظومات الجريمة الموروثة، ما أدى إلى تراجع تدفق الكبتاغون عبر الحدود مقارنة بفترة حكم الأسد. وشهد العام التالي حملة واسعة النطاق من المداهمات والعمليات الأمنية، استهدفت المصانع والمخازن السرية في مختلف المناطق، وأسفرت عن إغلاق عشرات المواقع وضبط كميات ضخمة من المواد المخدّرة. 

ووفق التصريحات الرسمية، تمّ ضبط 13 مستودعاً لتصنيع المواد المخدّرة ومصادرة نحو 320 مليون قرص كبتاغون منذ سقوط النظام، كان أكبرها في تشرين الأول/ أكتوبر 2025 حين أعلنت وزارة الداخلية عن عملية كبرى قرب دمشق أسفرت عن ضبط 12 مليون قرص، في واحدة من أضخم العمليات منذ تسلّم الحكومة الانتقالية زمام السلطة.

وامتدت حملة أكتوبر إلى ملاحقة الشخصيات النافذة المتورطة في شبكات التهريب القديمة، حيث اعتُقل عدد من رموز العهد السابق، بينهم نمير بديع الأسد، ابن عم بشار الأسد، في عملية أمنية دقيقة بمدينة القرداحة.

ولم تكتف الحكومة بالاعتقالات، بل حرصت على إتلاف كميات ضخمة من الكبتاغون علناً، في مشهد رمزي عبّر عن القطيعة مع ممارسات الماضي، ورسّخ رسالة مفادها أنّ الدولة الجديدة لن تتسامح مع تجارة المخدرات بعد اليوم. 

هكذا تبدو تجارة المخدرات في سوريا كحلقة إجرامية متكاملة تبدأ من موردي المواد الأولية وتمر بالمصنّعين والمهرّبين وصولًا إلى المستهلكين النهائيين. وقد نجحت الحكومة الانتقالية في كسر أهم حلقاتها، وهي تلك التي كانت ترتكز على رعاية النظام السابق وشبكاته العسكرية والأمنية. 

لكن استمرار الطلب الخارجي وتوفر مصادر المواد الخام يجعلان من المعركة مفتوحة وطويلة الأمد. لذلك تواصل دمشق الجديدة حربها على المخدرات باعتبارها معركة بقاء للدولة الوليدة، التي تحاول أن تنتقل من مرحلة “الدولة الراعية للجريمة” إلى نموذج دولة القانون والمسؤولية.

وفي موازاة هذه الجهود الداخلية، تحركت الحكومة الانتقالية لبناء تعاون إقليمي ودولي يواكب طبيعة هذه الظاهرة العابرة للحدود. فقد أعادت دمشق الجديدة تفعيل قنوات التنسيق الأمني مع الأردن، ما أثمر عن سلسلةٍ من العمليات المشتركة التي أحبطت خلال شهر تشرين الأول/ أكتوبر وحده 7 محاولات تهريب كبيرة عبر الحدود الجنوبية، وأسفرت عن ضبط نحو مليون حبة كبتاغون كانت معدّة للترويج. 

كما شهد التعاون بين الحكومة السورية الانتقالية ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة تطوراً ملموساً، حيث جرى توسيع آليات تبادل المعلومات والتعاون الفني في مجالات المراقبة الحدودية وتعزيز قدرات أجهزة إنفاذ القانون على تتبع الشبكات الدولية لتهريب المواد المخدّرة.

وفي هذا السياق، يكتسب انضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب دلالة تتجاوز بعدها السياسي أو الرمزي، ليشكّل فرصة عملية لتطوير أدوات الدولة في مواجهة اقتصاد الجريمة المنظم، وعلى رأسه تجارة الكبتاغون. 

فهذه التجارة لم تكن في جوهرها نشاطاً إجرامياً معزولاً، بل شكّلت جزءاً من منظومة تهديد مركّبة تقاطعت فيها شبكات التهريب، والتمويل غير المشروع، وبقايا البنى العسكرية والأمنية للنظام السابق، وهي المجالات نفسها التي راكم التحالف الدولي خبرة طويلة في التعامل معها. 

ويتيح هذا الانخراط للحكومة السورية الانتقالية الاستفادة من آليات متقدمة لتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتتبع مسارات التهريب، ومراقبة تدفقات المواد الكيميائية والمالية المرتبطة بصناعة الكبتاغون، إضافة إلى برامج التدريب وبناء القدرات في مجالات التحليل الجنائي وأمن الحدود. ومن هذا المنظور، يتحوّل تفكيك شبكات الكبتاغون إلى جزءٍ من معركةٍ أوسع لتجفيف مصادر التهديدات المركبة وتعزيز احتكار الدولة لاستخدام القوة ضمن إطار سيادة القانون.

كما كثّفت دمشق اتصالاتها الدبلوماسية مع دول الخليج العربي، بهدف طمأنة هذه الدول المتضرّرة من تجارة الكبتاغون بأنّ المرحلة الانتقالية في سوريا تمثل قطيعة حقيقية مع سياسات الماضي. وأوضحت السلطات أنّ مكافحة المخدرات لم تعد قضية داخلية فحسب، بل أولوية وطنية مرتبطة بعودة سوريا إلى محيطها العربي واستعادة ثقة شركائها الإقليميين، ما يعزّز مصداقية الدولة الجديدة، ويفتح المجال أمام دعم سياسي وتقني مستدام.

تلك الجهود الإقليمية والدولية لم تكن مجرّد تحركات تكتيكية، بل جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى تحويل سوريا من نقطة عبور وتصدير للمخدرات إلى شريكٍ فعّال في محاربتها. ومع ذلك، فإنّ طريق الخلاص من هذا الإرث ما يزال طويلاً، في ظلّ الطبيعة المتكيّفة لشبكات الجريمة المنظمة، واستمرار الطلب الخارجي، وتوفر مصادر المواد الخام. ولهذا، تبقى معركة الكبتاغون اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة الانتقالية على الانتقال من نموذج “الدولة الراعية للجريمة” إلى نموذج دولة القانون والمسؤولية.

في النهاية، يمكن القول إنّ سوريا، رغم كلّ التحديات، بدأت أخيراً تخوض حرباً حقيقية ضدّ أحد أخطر موروثات النظام السابق. فبينما كانت المخدرات في الماضي وسيلة لتمويل القمع والحرب، أصبحت اليوم رمزاً لمعركة الهوية الجديدة للدولة السورية، دولة تحاول أن تطوي صفحة اقتصاد الجريمة، وتبني أسس اقتصاد مشروع يُعيد للبلاد مكانتها وهيبتها بين الأمم.

 

 

 

 

شارك

مقالات ذات صلة