مقالات سوريا
جمان الحسن
تحوّل الاهتمام بحياة بشار الأسد الشخصية منذ سقوطه إلى ظاهرة إعلامية تتجاوز حدود الخبر العابر. لم يعد الحديث يقتصر على جرائمه أو مسؤوليته السياسية والعسكرية عن تدمير سوريا، بل بات يدور حول تفاصيل حياته اليومية قبل السقوط وبعده: رفاهيته وقصره، ملابسه الداخلية، ماركات ملابس زوجته، أين يعيش، كيف يقضي وقته، هل هو سعيد أم تعيس بعد سقوطه، وكيف تتكيف عائلته مع حياتها الجديدة بعد خسارتها للسلطة والمكانة في سوريا.
هذه النزعة الإعلامية لملاحقة حياة بشار الأسد وإن كانت متناسقة أصلاً مع رثاثة عميقة يشهدها الإعلام، وربما فعلاً هي بريئة وتسعى فقط نحو المشاهدات والسبق الصحفي إلا أنّها تبني وتؤسس لمرحلةٍ خطيرة تزيد تطبيع حضور مجرم حرب بوصفه شخصية عامة عادية، قابلة للاستهلاك الإعلامي، بل أحياناً بوصفه شبه “celebrity” تُلاحق أخباره كما تُلاحق أخبار المشاهير.
تقديم بشار الأسد بهذه الصورة يخلق واقعاً رمزيًّا جديداً حول هذه الشخصية الإجرامية، يُفصل فيه الجاني عن سياق جرائمه، ويُعاد إدخاله إلى المجال الاجتماعي إعلاميًّا بوصفه فرداً له حياة خاصة تستحق المتابعة. في هذا الواقع، تصبح سعادته أو تعاسته مادة للنقاش، وكأنّ حالته النفسية أو العائلية يمكن أن تحمل أيّ معنى أخلاقي أو سياسي. هذا المنطق، حتى حين يبدو أنّه يسعى لاستخلاص “عدالة رمزية” للضحايا عبر تخيّل معاناة الجاني، ينتهي فعليًّا إلى نتيجة معاكسة وخطيرة: تحويل العدالة إلى شعور أو رمز، والمساءلة إلى فضول، والجريمة إلى خلفية بعيدة.
محاربة هذا النوع من الظهور ليست مسألة أخلاقية مجردة بسبب اشمئزازنا من ظهوره أمامنا، بل ضرورة سياسية. لأن جعل حياة بشار الأسد الشخصية ذات أهمية عامة، أو منح حالته النفسية والاجتماعية والعملية وزناً في الوعي العام، يعني سحب مركز الثقل من الضحايا ومن الجرائم نفسها. التأثير الوحيد الذي يمكن أن يكون ذا معنى في حياة السوريين حول حياة بشار الأسد هو محاسبته ومساءلته، ورؤيته في محاكم وطنية ومواجهته بجرائمه وإعادة الحقوق للسوريين ولسوريا وإعادة الأموال المسروقة التي تستخدمها ابنته على الماركات. وكلّ ما عدا ذلك، مهما بدا مثيراً أو إنسانياً أو تحليلياً، يساهم في إعادة أنسنة المجرم.
ظهر البارحة تقرير للغارديان يحكي عن حياة بشار الأسد بعد هروبه لروسيا، وعن متابعته لدراسة الطب ورغبته في أن يكون طبيب عيون مجدداً، وعن تخرج أبنائه وتعافي زوجته والحياة الفاخرة والمترفة والسفر بين روسيا والإمارات، وكلّ ما هنالك من تفاصيل لا تفيد ولا تخلق أيّ أثرٍ في حياة السوريين سوى القهر المتراكم. هنا أحاول تفكيك ما أراه مشكلة في تتبع هذا النوع من التقارير الإعلامية حول حياة الدكتاتور المجرم وكيف أنّه يخلق سردية جديدة ناعمة حاول الإعلام سابقا خلقها قبل سقوطه وبعد توليه الحكم في 2000، الطبيب المثقف ابن القصور، خريج لندن، الرئيس الراقي الذي تعلّم في الغرب عن الحقوق والحريات، ديجافو بعد تقرير الغارديان لمحاولة رسم هذه الصورة بدون قصد ربما، لكنّها نفسها.
الزمن حليفاً للأسد
مرّت سنة كاملة منذ سقوط بشار الأسد وفتح السجون، سنة كُشف خلالها حجم الشلل الذي تعيشه البلاد، وهشاشتها العميقة بعد تدميرٍ منهجي استمر سنوات. في ظل واقع سياسي ما يزال مضطرباً، وعدم وجود استراتيجية أو رؤية قضائية وطنية قادرة على محاسبة رأس النظام السابق، والعلاقات الدبلوماسية غير الواضحة مع روسيا حيث يعيش بشار الأسد، يصبح مفهوماً من حيث الواقع لا من حيث العدالة، أنّنا لم نصل بعد إلى لحظة المطالبة بمحاكمة بشار الأسد وطنياً داخل سوريا. غير أنّ هذا الفراغ في العدالة والمحاسبة لا يبقى محايداً أو هامشياً على العكس، يكشف خطراً سياسياً بالغاً يتمثّل في تحوّل الزمن نفسه إلى حليفٍ للجاني.
في غياب المحاسبة، لا يعمل الزمن لصالح الضحايا، بل ضدهم. كل سنة تمرّ من دون مساءلة فعلية تُضعف الأثر السياسي والأخلاقي للجرائم، لا لأنّها أقل فظاعة، بل لأنّ الذاكرة العامة، محلياً وعالمياً، لا تُبنى على الوقائع وحدها، بل على الاستمرارية في المحاربة من أجل محاسبة المسؤولين عن هذا الواقع. الجرائم التي لا تُلاحق تتحوّل تدريجياً إلى “ماضٍ”. ومع هذا التراخي الزمني، يُعاد تأطير الجاني خارج سياق الجريمة: لا كفارّ من العدالة، بل كشخصٍ “غادر السلطة”، وبدأ حياة جديدة.
هنا تكمن الخطورة السياسية في حالة بشار الأسد. فمع مرور الوقت، لا يُستعاد كرمزٍ لجهاز إبادة ممنهج، بل كشخصية سياسية عامة سابقة تُتابَع حياتها الخاصة: أين يعيش، ماذا يدرس، هل سيظهر إعلامياً، كيف هي صحته، وكيف تتأقلم عائلته. يتحوّل من مجرم حرب إلى “رئيس سابق” أو “رئيس متقاعد” وأحيانًا إلى بطلٍ يعيد بناء حياته رغم هربه وعزلته وغير هذا من الهراء الاستهلاكي؛ لا لأنّ الجرائم اختفت، بل لأنّ الزمن، في غياب العدالة، يفصل الفاعل عن سياق الفعل.
تظهر حياته اليوم منفصلة عن سوريا التي دمّرها من أجل البقاء في الحكم والسلطة، رغم أنّ التسريبات التي بثّتها قناة العربية أظهرت بوضوح كيف كان الأسد يتنقّل بسيارته الفاخرة في شوارع الغوطة المدمّرة، برفقة لونا الشبل، معلناً اشمئزازه من المكان وأهله ومن سوريا ككل. هذا الاشمئزاز ليس تفصيلاً نفسياً عابراً، بل مفتاحاً لفهم طبيعة العنف الذي مارسه نظامه.
العنف في حالة بشار الأسد لم يكن وسيلة لتحقيق هدف سياسي محدد، كما في نماذج مجرمي الحرب “الكلاسيكيين” الذين يستخدمون القتل أداة للسيطرة. بل كان عنفاً قائماً بذاته: تدمير من أجل التدمير، وتعذيب من أجل التعذيب، نابعاً من احتقار عميق للمجتمع الذي حكمه وانتقام. ومع ذلك، حين تتأخر المحاسبة ولا نرى بشار الأسد في محكمة يواجه فيها بحجم ما فعله هذا النمط من الإجرام، لا يُفهم بهذه الطريقة، بل يُعاد تدويره سياسياً كـ”مرحلة انتهت”.
هكذا يعمل الزمن، حين يُترك المجرم بلا عدالة: لا يعيد الحقوق، ولا يرمم الذاكرة، بل يُطبِّع الجريمة. ومع كل سنة إضافية بلا محاكمة، يصبح من الأسهل على الإعلام، وعلى السياسة الدولية، وعلى الرأي العام، التعامل مع بشار الأسد كشخص عادي، تُتابَع حياته كما تُتابَع حياة أيّ رئيس سابق، لا كمسؤولٍ مباشر عن واحدة من أوسع حملات التدمير والتعذيب في القرن الـ21.
كشف تقرير الغارديان أيضاً أنّ بشار الأسد وعائلته يعيشون “معزولين اجتماعياً”، وأنه ممنوع من أي ظهور إعلامي أو ممارسة نشاط سياسي، والاختلاط بالأوساط السياسية في روسيا، وحتى رغبته في المقابلات الإعلامية مرتبطة بموافقة السلطات الروسية، بما فيها بوتين شخصياً الذي لم يعد معجباً ببشار الأسد. تُقدَّم هذه المعلومات على أنّها عقوبة، وكأنّ المجتمع الدولي أو السلطات الروسية فرضت قيوداً حقيقية عليه، وكأنّ إعجاب بوتين أو عدمه يحدث فرقاً في المشهد. بوتين نفسه الذي أطال حكم الأسد بعد تدخل روسيا عسكرياً وقصفها للمدن التي حاصرها الأسد، بالإضافة إلى حملات إعلامية ممنهجة لعزل السوريين وتكذيبهم خارج سوريا، خاض حرباً على السوريين في كل مكان. لكن التحليل الدقيق لهذه العزلة يوضح أن ما يُقدَّم على أنّه حرمان أو عقوبة هو في الواقع حماية كاملة للجاني واستمرار لحياةٍ مريحة ورفاهية مادية. انسحابه من الأضواء العامة لم يغيّر وضعه المالي أو المعيشي أو أمانه الشخصي، فهو يعيش حياة مستقرة في موسكو، بينما مئات آلاف السوريين ما زالت حياتهم متوقفة.
العزلة الحقيقية هي ما عاشه السوريون خلال سنوات حكمه، وخاصة بعد الثورة. الناجون من التعذيب، القصف، والأسلحة الكيماوية، والمنفيون إلى كلّ البلاد، عاشوا سنوات في بلاد اللجوء، بينما أهاليهم ظلوا رهائن داخل سوريا. في بعض الدول طُرد اللاجئون، وأُحرقت خيام آخرين، وفي دولٍ أخرى أُجبروا على العودة تحت مسمّى “عودة طوعية”. كما تمّ تكذيب ومحاربة سردياتهم عمّا حصل في سوريا بفعل سلطة ونظام بشار الأسد، وشُكك في شهاداتهم حول جرائم النظام واستخدام الأسلحة الكيماوية إعلاميًّا وسياسيًّا، حتى إنّ شخصيات غربية مرموقة سياسيًّا وأكاديميًّا ساهمت في حملات إنكار واسعة بدعمٍ مادي ولوجستي من روسيا، وبوتين الذي لم يعد معجباً ببشار. وجد الناجون أنفسهم معزولين وغير مرئيين، وأنّ ما حصل لهم من فظائع أصبح قابلاً للنقاش والتشكيك، بينما الأسد باقٍ للأبد، في عزلةٍ وهزيمة لا تؤثر في رفاهيته، في مقابل دفع السوريين أثماناً مرعبة.
في المقابل، بدأت بعض الدول تفتح أمام الأسد أبواب التطبيع السياسي، وخاصة بعد 2018 عقب سحقه لأهالي الغوطة وتهجيرهم قسرياً. هذه الدول تهافتت على بشار الأسد أحياناً لأغراضٍ تتعلّق بترحيل اللاجئين، حتى لو كان ثمن ذلك السجون أو الموت أو العيش في ذل اقتصادي وترهيب سياسي. دخل الجامعة العربية وزار عدة دول لا تسمح للسوري الضحية الهارب من قمع النظام بدخولها إلا بصعوبة قصوى، في حين تُفتح أبوابها وتُمد يدها لبشار الأسد، بينما السوريون في مناطق سيطرته يقفون على طابور الخبز والبصل، محكومون بالحديد والصمت. هذه هي العزلة، العزلة الرهيبة التي ساهم فيها العالم مع بشار الأسد.
تقديم العزلة التي يعيشها الأسد على أنّها عقوبة يكشف عن إعادة تعريف سياسي هشّ للعدالة بعد الجريمة: غيابه عن المشهد العام وهروبه من البلاد لا يعني تحمّله المسؤولية عن جرائمه، ولا يعني إعادة الحقوق للسوريين، ولا كشف مصير المفقودين، ولا إعادة أموال السوريين التي تدعمه في “عزلته”، بل يظهره كشخصٍ منفصل عن أفعاله، كشخص تمارس عليه عزلة سياسية، بينما الضحايا يتحملون النتائج بشكل مستمر.
الإعلام وأنسنة المجرمين.
عندما يتجه الإعلام عموماً إلى تتبّع الحياة الشخصية لمجرم حرب هارب، فإنّ الخطورة لا تكمن في حجم المعلومات المنشورة، بل في الإطار الذي تُدرج ضمنه. وفق التأطير الإعلامي (Framing)، لا يُنتج المعنى من الوقائع ذاتها، بل من الزاوية التي تُعرض من خلالها. في حالة بشار الأسد، يُعاد بناء السردية عبر نقل مركز الثقل من الجريمة بوصفها فعلاً سياسيًّا منظّماً، إلى الفرد بوصفه ذاتاً اجتماعية يمكن توصيفها والتعامل معها.
هذا التأطير قد ينجح عبر التكرار في فصل الجاني عن فعل الجريمة، من دون إنكارها صراحة. فالحديث عن الأسد كطبيب، أب، زوج لامرأة متعلمة وخريجة جامعات بريطانية تعافت من السرطان، يعمل جسراً رمزيًّا يعيد إدخاله إلى المجال الإنساني المألوف. التعليم، الطبّ، والأسرة تتحوّل إلى عناصر تلطيفية تُعيد تعريفه كشخص “عادي”، لا كفاعلٍ مسؤول عن عنف سياسي ممنهج وعن جرائم حرب.
هنا لا يحدث تبرير مباشر للجرائم، بل تسطيح لها: تتحوّل إلى خلفية باهتة أمام الفضول الإعلامي لمعرفة كيف يعيش بشار الأسد، سعيداً أم تعيساً، وكأنّ مشاعره الشخصية تحمل وزناً أمام أفعال نظامه السابقة. تتقدّم تفاصيل الحياة الخاصة إلى الواجهة، بينما الجرائم التي ارتكبها تصبح ماضية ومنفصلة عن الحاضر. يتمّ تقديم الأسد مستقبلاً طبيب عيون يعالج نخبة موسكو، بينما زوجته، رغم معاناتها مع السرطان، تُعرض أيضاً رمزاً للصمود، متناسية دورها في شبكةٍ اقتصادية مخيفة داخل سوريا وحملات التلميع الإعلامي له سابقاً، والتي ساعدت على إعادة إنتاج صورته للغرب كرجل متعلم “يحارب من أجل بلاده”، بالمناسبة يحب الغرب هذه الصورة عن الزوج والزوجة، رمنسة بشار وأسماء، توصيف ما فعلا مسبوقاً بـ “رغم أنّهما خريجا بريطانيا”، أو أنّه من غير الممكن أن يفعل شخص بهذا الرقي والمستوى العالي من التعليم كلّ هذه الجرائم، وربما بعد سنوات يتمّ تصويره أنّه البطل الذي حاول إنقاذ بلاده.
مع مرور الوقت، يصبح تتبع حياة بشار الأسد الخاصة ممارسة إعلامية مشروعة وطبيعية، في حين تبقى المقابر الجماعية، المفقودون، والسجون أحداثاً منفصلة تخص السوريين وحدهم، وكأنّها جاءت من العدم.
بهذا المعنى، لا تُنتج أنسنة الأسد تعاطفاً مباشراً معه بقدر ما تُنتج اعتياداً عليه. والاعتياد هو الشكل الأخطر للتطبيع: حين يصبح مجرم الحرب شخصية عادية يمكن الحديث عنها دون استدعاء سياق الجريمة في كلّ مرّة، وحين يُعاد تعريف المسؤولية السياسية بوصفها سيرة شخصية انتهت، لا فعلاً مستمراً لم تُغلق ملفاته بعد.
إعادة الصدمة الرمزية والنفوذ الرمزي:
تقديم حياة مجرمي الحرب الهاربين، مثل بشار الأسد، على أنّها حياة طبيعية أو قابلة للتتبع الإعلامي، لا يقتصر على فصل الجاني عن أفعاله، بل يخلق ما يمكن تسميته “الصدمة الرمزية” للضحايا والمجتمع السوري. هذه الصدمة لا تأتي من الفعل المباشر للجرم نفسه، بل من رؤية الجاني يعيش حياة مألوفة وآمنة ورفاهية مادية بينما حياة السوريين بعد السقوط لم تبدأ بعد بشكلٍ حقيقي. إنّها إعادة إنتاج للانتهاك بطريقة نفسية ورمزية: بينما يظلّ الضحايا غارقين في فقدان الأحباء والمنازل والحقوق الدُنيا، والبلاد معرضة للفوضى وربما مزيد من العنف، يظهر الجاني في الإعلام كما لو أنّ لا شيء حدث، أو كما أنّ حياتهم ما زالت بلا قيمة ملموسة، أموالهم وثروات البلد كلّها معه، ينعم بمستوى أمان عالي لن يتأثر في حال الفوضى والعنف في البلد، غير مكترث بسوريا ككل ولا ناسها، بينما هم ما زالوا يواجهون أخطار الاحتلالات والحروب الأهلية والانهيار الاقتصادي.
الصدمة الرمزية تعمل على مستويين متوازيين. أولاً، على المستوى النفسي للضحايا، حيث تعيدهم رؤية المجرم إلى تجربة فقدان السيطرة والعدالة، لكنّ هذه المرّة بطريقةٍ رمزية وعلنية: الجاني موجود، مرئي، يملك حياة مستقرة بينما هم لا يملكون سوى الغياب والصمت القسري. ثانياً، على المستوى الجمعي والسياسي، فهي تعيد إنتاج السلطة الرمزية للجاني، حتى بعد سقوطه ووجوده في روسيا.
شاهدت تقرير الغارديان صباحاً، لا أكترث بحياة بشار الأسد إلا حين يكون على حبل المشنقة، لكن بعد دقائق شاهدت ريلز على إنستغرام، لأمٍّ تروي بصوتٍ مخنوق قصة ابنها المفقود منذ 2020 بعد أن عاد من السفر ليبقى معها لأنّها وحيدة. تقول ببساطة: “أريد أيّ خبر عنه، أين هو، طيب؟”. هذا الصوت، هذا الغياب، هو الذي يحدّد معنى العدالة الحقيقي: لا سعادة الجاني ولا تعاسته، بل المحاسبة واستعادة الحقوق وإعادة الاعتبار للضحايا ووجود مسار عدالة حقيقي يكشف مصير المفقودين ويجيب الأهالي. كلّ ما عدا ذلك، مهما كان مغطّى بالفضول الإعلامي أو متابعة حياة الجاني، يظل مجرّداً بلا قيمة ولا إضافة لحياة السوريين، مجرّد إضافة إعلامية لا تعنينا، ما يعنينا حقًّا هو صوت تلك المرأة وسؤالها، أين السوريون؟


