رياضة

عدالة انتقالية للمنتخب ومصالحة جماهير الثورة

ديسمبر 4, 2025

عدالة انتقالية للمنتخب ومصالحة جماهير الثورة

لم تكن كرة القدم في سوريا مجرّد لعبةٍ شعبية أو مساحة للترفيه، بل تحوّلت عبر عقود حكم عائلة الأسد إلى أداةٍ سياسية تُستخدم لتثبيت السلطة والترويج لسرديتها. فالنظام الذي اعتمد على منظومةٍ واسعة من الرموز والدعاية، وجد في المنتخب السوري لكرة القدم واجهة مناسبة لتعزيز صورته، مستفيداً من الشعبية الكبيرة للرياضة وقدرتها على جذب الجماهير من مختلف الطبقات والانتماءات.

ومع اشتعال الثورة السورية وما رافقها من قمعٍ واسع، ازداد الشعور عند كثير من السوريين أنّ المنتخب لم يعد يمثلهم كما كان يفترض، بل أصبح جزءاً من آلةٍ تخدم السلطة في الوقت الذي كانت فيه المدن تقصف، والملايين يُهجرون من بيوتهم، والآلاف يعتقلون أو يُقتلون. ومن هنا نشأت أزمة الثقة بين شريحة كبيرة من الشعب وبين المنتخب، وهي أزمة لم تتعلق بالرياضة ذاتها بقدر ما تعلقت بمن استخدمها ولأيّ غاية استُخدمت.

 

الرياضة أداة للدعاية في ظل غياب الحريات.

أضحى استخدام الرياضة أداة للدعاية في ظل غياب الحريات جزءاً ثابتاً من ممارسات النظام السوري، كما هو حال العديد من الأنظمة السلطوية التي تدرك قوة الرمزية الرياضية وقدرتها على التأثير في الوعي العام. فقد جرى التحكم بالخطاب الرياضي وتوجيهه بشكلٍ ممنهج، بحيث لم يعد الإنجاز يُنسب إلى جهود اللاعبين أو المدربين أو المؤسسات، بل يُقدَّم دائماً على أنّه “ثمرة القيادة الحكيمة”، وكأنّ الرياضيين مجرّد أدوات في خدمة سردية سياسية معدّة مسبقاً. ومع مرور الزمن، أصبحت الاحتفالات الرياضية، حتى عند الفوز في مباريات غير مصيرية، تتحوّل تلقائياً إلى مسيرات سياسية تتقدمها صور الأسد وشعارات الولاء، بينما يتراجع الصوت الرياضي المتخصص والتحليل الفني إلى الخلف، ويُستبدل بخطابٍ تعبوي لا علاقة له باللعبة نفسها.

هذا التوظيف السياسي لم يكن عشوائياً، بل خدم هدفين أساسيين: الأول تلميع صورة الحكم من خلال ربط الفرح الشعبي باسمه، بحيث يظهر كأنّه مصدر الإنجاز وسبب اللحظة السعيدة التي يعيشها الناس، وبذلك يتحوّل كلّ انتصار رياضي إلى مادةٍ لتعزيز الشرعية السياسية. أمّا الهدف الثاني فهو تقديم البلاد للعالم كأنّها تعيش حالة من الاستقرار والتماسك، رغم التحديات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية العميقة التي يواجهها المواطنون يومياً، وكأنّ الملعب قادر على تغطية واقع لا يمكن إخفاؤه.

وهكذا وجد المنتخب السوري نفسه، وهو المفترض أن يكون مساحة جامعة لكلّ السوريين، مُقحماً في عملية تصنيع صورة السلطة، فقد تراجعت وظيفته الطبيعية رمزاً للوحدة الوطنية ومجالاً للتنافس الرياضي الشريف، وتحوّل إلى عنصرٍ في آلةٍ دعائية تسعى إلى تكريس رواية سياسية محددة. وبهذا التشويه، لم يعد المنتخب يمثل طموحات الشعب بقدر ما أصبح جزءاً من مشهدٍ سياسي يبحث عن رموز جاهزة ليُظهر عبرها تماسكاً ظاهرياً، بينما تُهمَّش القيم الرياضية الأصيلة من مشاركة وشفافية وعدالة وانتماء حقيقي للوطن.

 

في زمن الحرب.. حين يختلط الملعب بالدم.

مع بدء الثورة السورية عام 2011، وما تبعها من عمليات قصف واعتقال وتهجير، صار فارق الأخلاق أكبر بكثير. كان السوريون يرون مدنهم تتهاوى تحت النار، وفي الوقت ذاته يسمعون تصريحات من مسؤولين رياضيين أو لاعبين تتبنى خطاب السلطة أو تهاجم المحتجين أو تسخر من مأساتهم. وبغض النظر عن دوافع تلك التصريحات، فقد بقي وقعها قاسياً على جمهور يشعر أن رموزه الرياضية جزء من منظومة تتجاهل آلامه أو تُنكرها.

 وإذا كان بعض اللاعبين قد نطق بذلك طوعاً، فإن آخرين ربما فعلوه خوفاً أو اضطراراً أو حمايةً لمكانهم في المنتخب. لكن، وبالنسبة للضحايا، يبقى الفارق بين الدافع والنتيجة محدوداً؛ فالكلمة التي تصدر من شخصية عامة تحمل أثراً لا يمحى بسهولة. وفي المقابل، دفع رياضيون اختاروا الوقوف إلى جانب الشعب أو رفضوا ترديد خطاب السلطة ثمناً كبيراً: اعتقال، فقدان فرصهم المهنية، نفي قسري، أو موت في أقبية السجون. وهؤلاء أصبحوا بدورهم رمزاً لتداخل السياسة بالرياضة ولكن في الاتجاه المعاكس: اتجاه الحرية.

 

بعد سقوط النظام.. أزمة مواجهة الذاكرة.

تواجه المجتمعات الخارجة من صراعاتٍ كبرى سؤالاً حساساً: كيف نتعامل مع الأشخاص الذين كانوا جزءاً من منظومة القمع أو من رموزها الدعائية؟ وفي الحالة السورية، يمتد السؤال ليشمل بعض اللاعبين والإداريين الذين ظهروا في سياقات دعائية أو رددوا خطابات سلطوية في مرحلة شديدة الألم.

ليس الأمر انتقاماً أو رغبة في الإقصاء، بل حاجة طبيعية لعدالةٍ رمزية تُعيد التوازن الأخلاقي. كثير من السوريين لا يستطيعون بسهولة تقبل أن تستمر الوجوه ذاتها التي كانت جزءاً من التجميل الإعلامي للنظام في تمثيل المنتخب والعَلَم ذاته الذي مات من أجله رياضيون وقفوا مع الشعب.

المسألة هنا لا تتعلق بالمستوى الفني، فالموهبة لا تُعفي صاحبها من المسؤولية الأخلاقية. المطلوب هو اعتراف بالأخطاء التي ارتُكبت وتحمل المسؤلية الوطنية، أو على الأقل تبرير الأفعال أو السلوكيات التي ساهمت بطريقةٍ أو بأخرى في إيذاء مشاعر شريحة واسعة من السوريين، فالمصالحة الوطنية لا تبدأ بالقفز على الذاكرة، بل بمواجهتها.

 

الحاجة إلى تغيير جذري في العقلية الرياضية.

الحاجة إلى تغيير جذري في العقلية الرياضية أصبحت شرطاً أساسياً لأيّ محاولة جادة لإعادة بناء المنتخب السوري ليكون رمزاً حقيقياً للوطن. فهذه المهمة لا يمكن أن تتحقق ما لم تُفصل الرياضة بشكل كامل عن الدعاية السياسية، وما لم يتحرر الملعب من الشعارات التي تربط الانتماء الرياضي بولاءاتٍ شخصية أو حزبية. فالسوريون اليوم يتطلعون إلى منتخب يمثلهم هم، شعباً متنوعاً ومتكافئاً، لا واجهة لأيّ سلطة أو مؤسسة سياسية.

ويتطلب هذا التحوّل إعادة صياغة الخطاب الرياضي نفسه ليقوم على النزاهة والاحترام وقبول الاختلاف، بعيداً عن لغة التمجيد والتسييس. كما يحتاج إلى إرساء شكل من أشكال المساءلة الرمزية التي لا تهدف إلى العقاب بقدر ما تهدف إلى بناء الثقة بين الجمهور والمؤسسة الرياضية، عبر الاعتراف بالأخطاء الماضية والالتزام بعدم تكرارها. ومن الضروري أيضاً فتح المجال أمام الرياضيين الذين وقفوا يوماً إلى جانب تطلعات الشعب لكنّهم همِّشوا أو أُبعدوا، فهم جزء من الهوية الرياضية الوطنية ولا يمكن تجاوزهم إذا أردنا تأسيس بيئة أكثر عدلاً وشمولاً. 

ويترافق ذلك مع إعادة تعريف مفهوم الوطنية الرياضية بحيث تُنسب الإنجازات إلى الشعب بوصفه صاحب الحقّ والحلم والدعم، لا إلى أيّ قائد أو جهة سياسية، وبحيث يصبح الفوز مناسبة لتعزيز الانتماء الجماعي لا لترسيخ سلطة فردية. ويضاف إلى ذلك ضرورة تمكين مجتمع رياضي مستقل، قادر على اتخاذ قراراته دون تدخلات فوقية، وبناء مؤسسات تحترم قيم الاحتراف والشفافية. عندها فقط يمكن للمنتخب أن يتحوّل إلى مساحة جامعة للسوريين، تمثّل آمالهم لا صراعات السياسة، وتعيد للرياضة دورها الطبيعي بوصفها لغة للمحبة والتنافس الشريف.

ختاماً: يمثل المنتخب السوري اليوم نقطة تلاقٍ بين الرياضة والسياسة والذاكرة. فالسوريون الذين عاشوا مأساة كبرى لا يريدون عودة الرياضة إلى أيدي من استخدموها للدعاية أو صمتوا على الألم. بل يريدون نموذجاً جديداً مبنياً على الاعتراف والتغيير والاحترام.

 

إنّ فصل الرياضة عن السلطة ليس ترفاً، بل خطوة أساسية نحو بناء وطن يشعر أبناؤه أنّ المنتخب يلعب باسمهم ولأجلهم، لا باسم أحد آخر. وعندها فقط يمكن للكرة السورية أن تبدأ صفحة جديدة تُكتب بعرق اللاعبين وصدق الجماهير.

 

 

شارك

مقالات ذات صلة