آراء

“معركة الرأس”… الطبطبائي ليس النهاية!

ديسمبر 2, 2025

“معركة الرأس”… الطبطبائي ليس النهاية!

لم يكن اغتيال هيثم الطبطبائي عملية اغتيال خلف سياج حدود موحش. كان حدثًا ذا وقعٍ ثقيل كالحسد، يشبه صدمة كهربائية تُطلق في جسدٍ أنهكته حربٌ طويلة، لكنّها لم تَبدَُ حتى الآن سوى مقدمة لما هو أخطر. إسرائيل لم تطارد قائدًا عسكريًّا عابرًا، بل ضربت العُقدة التي تصل بين من يخطّط ومن ينسّق ومن يقرّر. الضربة ليست رسالة، بل خطة. ليست صفعة، بل مفتاحًا لخريطة حرب جديدة: حرب الرأس.

الطبطبائي لم يكن مجرّد اسم في مخطط الأهداف. كان جزءًا من طبقةٍ حساسة  جدًّا في بنية حزب الله، طبقة تقف بين خطوط النار وخطوط القرار، بين غرفة العمليات ومكتب السياسة، بين الميدان والهيكل الصلد. الصلادة التي رُوّعت باغتيال السيد حسن نصر الله سندها الأصل وقائم مقام عقيدتها. هذه الطبقة  الهيكلية، أو قل العامود الفقاري للحزب هي التي تتحرّك فيها إسرائيل الآن. لهذا، فإنّ اغتياله لم يكن النهاية، بل رفع الستارة عن فصل أشدّ قتامة… فصل تتقدّمه إسرائيل وهي تعرف تمامًا ماذا تريد: رأس البنية، لا أطرافها.

بين الميدان والتنظيم… إسرائيل تراوح قواعد اللعبة.

تتحرّك إسرائيل منذ أشهر بطريقة تراوح مثيلاتها في سنوات المواجهة الماضية؛ ربما لتراجع قدرة حزب الله على الردع. لم تعد تهتم بضرب مجموعات استطلاع أو قادة ميدانيين ثمّ العودة إلى قواعد الاشتباك السابقة. لم تعد الحرب مشهدًا متكررًا: قصف مقابل قصف، ضربة مقابل ضربة. الجديد هو البحث عن “واسطات العقد”؛ العُقَدِ التي إن فُصِمت يتراجع صوت القيادة، ويضعف تماسك البنية، وتبدأ الشقوق بالظهور في شبكة القرار.

هذا ما جعل استهداف الطبطبائي نقطة تحول. هو ليس رأسًا كبيرًا بالمعنى السياسي الرمزي، لكنّه رأس عملياتي من النوع الذي يشبه رأس العامود داخل خيمة: لا تراه الجماهير كثيرًا، لكنّه إن سقط قد تنهار الخيامية كلّها. إسرائيل تراهن هذا، ولذلك اختارت الضربة بدقة، وبالأسلوب الذي يشبه عمليات “قطع الهياكل” التي استخدمتها سابقًا في غزة وسورية.

ولأن الحروب لا تُخاض بالسلاح وحده بل بالرسائل، أرادت إسرائيل إخبار الحزب بأنها تتقدم من الجبهة التي يخشاها: الجبهة التي تمسّ تماسكه الداخلي، لا جبهته العسكرية فقط. والرهان على رد فعل القيادات العملياتية العنقودية للحزب فيما هو آت.

نعيم قاسم.. السؤال الذي يخشاه الجميع.

في بيروت والضاحية وجنوب لبنان، وفي غرف السياسة في واشنطن وتل أبيب، سؤال ثقيل يدور منذ عملية الاغتيال: هل تضع إسرائيل الشيخ نعيم قاسم، الأمين العام بالوكالة، ضمن قائمة الأهداف المحتملة؟ سؤال يحبس الأنفاس. لأنّه لا يعني اغتيال شخصية سياسية فقط، بل يعني تفجير مركز جديد  للثقل داخل الحزب نفسه.

إسرائيل تعرف أنّها حين تستهدف رجلًا مثل قاسم، فإنّها لا تختبر قدرته على الردّ… بل تختبر قدرة الحزب على التمترس. تعرف أنّها ستدفع الحزب إلى الاختيار بين ردّ يجرّ لبنان إلى حرب بلا قواعد اشتباك، أو صمت يجرح صورته في قلب بيئته الحاضنة.

المنطق يقول إن إسرائيل لن تقدم على ضربة بهذا الحجم إلا بتوافر ثلاثة عناصر: قبول أمريكي أو على الأقل تجاهل متعمد، ضمانات حسابية بعدم الانزلاق إلى حربٍ إقليمية كبرى، وبيئة لبنانية مرهقة تضمن أنّ الصدمة ستُضعف الحزب أكثر ممّا ستوحده. وما يدعو للقلق أنّ هذه العناصر تبدو اليوم موجودة بدرجاتٍ غير مطمئنة.

من القادة إلى الرموز… نسف قواعد الاشتباك. 

أخطر ما يحدث الآن ليس اغتيال الطبطبائي لذاته، بل الباب الذي فتحه اغتياله. لأنّ الانتقال من ضرب القادة العسكريين إلى ضرب الرموز السياسية  داخل الحزب ليس تطورًا عسكريًّا فقط، بل انقلابًا استراتيجيًّا.

الرمز السياسي ليس مجرّد “قائد”. هو مركز شرعية. هو عقدة الهوية التي تحكم العلاقة بين الحزب وبيئته، وبين الحزب والدولة، وبين الحزب والمحور الإقليمي. ضرب الرمز يضعف علاقة التنظيم بجمهوره قبل أن يضعف علاقته بخصمه.

وحزب الله يدرك هذه الحقيقة جيدًا. لأنه وإن كان مستعدًا لفقدان ضباط أو عناصر، إلا أنه غير مستعد لخسارة رجل يُنظر إليه داخل جمهوره باعتباره صمام تماسك الشرعية. وإذا ضربت إسرائيل هذه الطبقة، فإنّ كلّ شيء بعدها يصبح ممكنًا.

قصف الضاحية… غدا أو بعد غد بيروت.

قصف الضاحية الجنوبية خطوة مفهومة داخل قواعد الاشتباك. لكن التهديد بقصف العاصمة بيروت ذاتها هو قفزة على مستوى آخر. العاصمة ليست هدفًا عسكريًّا. هي هدف سياسي–رمزي–اجتماعي–اقتصادي. هي قلب الدولة، ولو كانت الدولة اليوم شبه غائبة.

الرسالة هنا أخطر من مجرّد “الضغط على الحزب”: إنّها اختبار للبنان كله—ما إذا كان لا يزال يملك صمّام أمان يمنع انهياره الكامل، أم أن البلد وصل إلى مرحلة يستطيع فيها أيّ طرفٍ خارجي أن يضرب قلبه من دون خشية من ردّ فعل إقليمي أو دولي أو داخلي.

بيروت اليوم مكشوفة، ليس فقط أمام الطائرات الإسرائيلية، بل أمام انهيار داخلي كامل: مؤسسة سياسية فاقدة للشرعية، اقتصاد منهار، طبقة حاكمة مشلولة، وجمهور مُستنزف. والقصف في هذه المرحلة ليس عملية عسكرية… بل إعلان عن مرحلةٍ جديدة من الحرب النفسية، تُستخدم فيها العاصمة كورقة ضغط على الحزب، والدولة، والجمهور، في لحظةٍ واحدة.

واشنطن والرئاسة اللبنانية… ميتة بلا جنازة.

لا يمكن فهم جرأة إسرائيل في هذه المرحلة من دون النظر إلى العلاقة المتدهورة بين واشنطن وبعبدا. في السنوات السابقة، كانت واشنطنؤ—على اختلاف إداراتها— تتعامل مع الرئاسة اللبنانية باعتبارها شريكًا، أو على الأقل عنوانًا لبناء توازنات دقيقة. اليوم لا شيء من هذا موجود.

الإدارة الأمريكية تحت رئاسة ترمب تنظر إلى الرئاسة اللبنانية كمنصبٍ بلا فاعلية، بلا قدرة، بلا وزن. هيبة الدولة تلاشت، والرئاسة فقدت بُعدها كفاعل داخل المعادلة. وهذا التراجع العميق أعطى إسرائيل شيئًا أثمن من أيّ دعمٍ عسكري: حرية الحركة.

لا أحد في واشنطن سيقف اليوم أمام طموحات إسرائيل في تقليم أظافر الحزب، ولا أحد في أوروبا -ربما باستثناء فرنسا- مستعد لخوض معركة دبلوماسية لحماية “شكل الدولة اللبنانية”. هذا الفراغ السياسي الدولي هو ما يجعل لحظة الاغتيالات القادمة أخطر من أيّ وقتٍ مضى.

جيش لبنان “استثمار لم يحقق أهدافه”.

كثير من الضربات التي توجهها إسرائيل اليوم تستند إلى حقيقةٍ لم تعد خفية في واشنطن: الجيش اللبناني —بحسب توصيف مسؤولين أمريكيين— “استثمار لم يحقق أهدافه”.

سنوات من التمويل والتجهيز والتدريب لم تُنتج مؤسسة قادرة على فرض السلاح الشرعي أو ضبط الضاحية أو منع تمدد “الميليشيات” بحسب وجهة النظر الأمريكية بالطبع. الجيش اليوم، رغم صلابته المهنية، محاصر بين ثلاث حقائق مريرة:

لا قدرة على مواجهة الحزب لأنّه أقوى تسليحًا وأعمق نفوذًا.

ولا قدرة على ضبط الأمن الداخلي لأنّ أيّ احتكاك يعني احتمالات اشتعال أهلي جديد.

ولا قدرة على لعب دور سياسي لأنّها مؤسسة بلا غطاء سياسي فعلي.

هذا الفراغ الأمني يسمح لإسرائيل بالمناورة كما تريد، لأنّها تعرف أنّ القوة الوحيدة المعترف بشرعيتها في الغرب التي يمكنها ضبط الفوضى —أي الجيش— أُبعدت عن طاولة الفعل.

 

كابوس الضاحية – انفلات السلاح.

في لبنان اليوم، ليست الطائرات الإسرائيلية وحدها التي تصنع الخطر. هناك خطر آخر، ربما أخطر: السلاح المنفلت خارج سياق الدولة اللبنانية. مجموعات محلية، عناصر لا تخضع لتراتبية كاملة، خلايا صغيرة، تركيبات اجتماعية مسلحة، كلّها تتداخل في مساحة معقدة.

هذه البيئة تُعدّ منجمًا للاختراق. ليس فقط من إسرائيل، بل من خصوم الحزب الداخليين، من عصاباتٍ محلية، من متسلقين اجتماعيين يريدون سلطة، من حسابات صغيرة يمكن أن تنفجر في لحظة. كلّ بندقيةٍ خارج السيطرة هي قنبلة موقوتة.

الحزب يعرف أنّ أيّ زلةٍ أمنية في الضاحية يمكن أن تتحوّل إلى كرة نار: اشتباك، فوضى، فقدان السيطرة، شرخ في العلاقة مع البيئة الحاضنة، أو حتى عمليات استخباراتية تُنسب لغير منفذيها. هذه البيئة تصنع ضغطًا داخليًّا لا يقل خطورة عن الضغط الإسرائيلي.

استنزاف حزب الله المزدوج.

إسرائيل لا تخوض حربًا واحدة الآن، بل حربين في آن معا:

حرب عسكرية فوق الجنوب والضاحية وما بعدها، وحرب نفسية –سياسية داخل البيئة اللبنانية نفسها.

الحزب يُستنزف بطريقة تجعل كلّ ضربةٍ تحمل هدفين:

إضعاف قدرته العسكرية، وإضعاف قدرته على السيطرة على الداخل.

إسرائيل تستغل الوضع الاقتصادي، الانهيار المؤسسي، الضياع السياسي، الفوضى الأمنية، وتحوّلها إلى أسلحة غير مرئية.

هذا النوع من الحروب لا يعتمد على الضربة الجوية فقط. يعتمد على ضرب الشرعية، ضرب الثقة، ضرب تماسك البنية التنظيمية.

والطبطبائي كان نموذجًا لهذه الضربات: رجل واحد، لكن غيابه يخلق فراغًا في شبكة معقدة، وهذا الفراغ يفتح ثغرة، والثغرة تُستخدم، والنتيجة تتراكم.

معركة الرأس

اغتيال الطبطبائي كان نقلة نوعية في شكل الحرب. لم يكن ضربة تكتيكية، بل خطوة استباقية لمرحلة “معركة الرأس”، المرحلة التي يتطلّع فيها العدو إلى ما هو أبعد من إسكات الصواريخ… إلى إسكات من يصنع قرار إطلاق الصواريخ.

الضربة التالية قد لا تكون حيث يتوقع اللبنانيون. قد لا تكون ضدّ رجل يرتدي بزّة عسكرية. قد تكون ضدّ صوت سياسي، أو شخصية تنظّم الفعل وتضبط الإيقاع. وربما تُنفذ في مكان لا يشبه الضاحية ولا الجنوب حتى.

لبنان يتحرك الآن فوق أرضٍ تهتز تحته. الدولة تذوب. الجيش مُبعد. الاقتصاد مُحطم. الحزب في قلب الضغط. وإسرائيل في لحظة شهوة استراتيجية لخلق فراغات، ثمّ الانتقال من الاغتيالات إلى إعادة ترتيب لبنان نفسه.

الطبطبائي لم يكن رأسًا واحدًا.. وفي قراءة عقل المحتل مجرم الإبادة، لم نعد نرى أيّ رؤوس قد أينعت وحان لشهية إسرائيل المريضة قطافها.

 

شارك

مقالات ذات صلة