مدونات

سقوط الأسد تتويج لصمود السوريين

نوفمبر 30, 2025

سقوط الأسد تتويج لصمود السوريين

بعد سقوط نظام بشار الأسد في نهاية عام 2024، انطوت صفحة طويلة من الاستبداد امتدت لأكثر من 50 عاماً. بدأ السوريون حينها مرحلةً جديدة من إعادة بناء الدولة ومؤسساتها على أسس تكسر المركزية الأبدية للسلطة وتعيد الاعتبار للإرادة الشعبية.

 لكن في خضم هذا التحوّل التاريخي، ظهرت رواية تحاول حصر النصر في دوائر التفاهمات الدولية وتحولات الإقليم. هذا الخطاب يتجاهل عمداً مسار 14 عاماً من الثورة، وتضحيات ملايين السوريين الذين شكّلوا القاعدة الصلبة لأيّ تغييرٍ تحقق. لو كان السقوط نتيجة قرار خارجي بحت، لكان ذلك حدث في 2011 مع بداية الثورة، لا بعد هذا الزمن الطويل المكتظ بالآلام والانكسارات والبطولات.

 

شرعية جديدة ونقاش مفتوح.

 اختلفت المواقف تجاه الحكومة التي تسلّمت الحكم بعد الأسد، فهناك من يراها حكومة وصلت بإرادة ثورية وبفعل مسار نضالي امتد لسنوات، وهناك من ينتقد آليات توليها السلطة لغياب الانتخابات. وهذا الجدل مشروع في دولة تسعى لترسيخ التعددية والديمقراطية. 

إلا أنّ فئة أخرى اختارت التشكيك بوجود النصر نفسه، محاولة اختزال إسقاط النظام في تحولات سياسية دولية. وقد ارتفعت هذه الأصوات خصوصاً بعد زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى موسكو، في محاولة للقول إنّ الدول الكبرى هي التي أزاحت الأسد، وهي ذاتها من توجّه سوريا في المرحلة الراهنة، والحقيقة أنّ مثل هذا الطرح يهمّش دور الشعب السوري ويفرغ الثورة من معناها الأعمق.

 

النصر منذ الصرخة الأولى.

بدأ النصر منذ أول مظاهرة رفعت شعار إسقاط النظام، يكفي أنّ السوريين كسروا جدار الخوف الذي بناه النظام على مدى عقود، مستنداً إلى سجلٍ رهيب من المجازر والاعتقالات، من حماة الثمانينيات إلى معتقل تدمر. بمجرّد خروج الناس إلى الشارع، حدث الانتصار الأول: انكسار احتكار السلطة للرعب.

 

التحولات الإقليمية.. عوامل مساعدة لا صانعة.

 لا يمكن إنكار أنّ متغيرات دولية وإقليمية أثرت في المشهد مثل الحرب الروسية في أوكرانيا التي أدت لضعف نفوذ روسيا في الأراضي السورية، وسحب موسكو عدداً من قوتها العسكرية والبشرية من سوريا، وأيضاً عمليات طوفان الأقصى في غزة الذي قلبت المنطقة رأساً على عقب وما أحدثته من تغيير في حسابات المنطقة، والضربات الإسرائيلية التي أضعفت حزب الله وقضت على قيادات الصف الأول والثاني في الحزب. كل ذلك أدى دوراً مهماً في إعادة التوازنات، لكنّه لم يكن الشرارة ولا الوقود. القاعدة الشعبية للنظام كانت قد انهارت منذ سنوات طويلة، ما جعل الأرض أكثر قابلية للتغيير، حينها استغلت قوات عملية ردع العدوان  اللحظة المناسبة.

 

القوة على الأرض صنعت الفرق.

لم يأت التحرير مفاجئاً. ففي إدلب، حيث تكدّست الفصائل والسلاح ضمن مساحة جغرافية ضيّقة ومحاصرة، تمكّنت قوى الثورة من بناء مؤسسات مدنية وعسكرية مكّنت المنطقة من الصمود لسنواتٍ طويلة. شرطة ومرور ومؤسسات تعليمية وجامعات، وجيش منظّم مدرّب خاض معارك محسوبة بدقة. هذه البنية هي التي أظهرت للمجتمع الدولي أنّ هناك قوة قادرة على إدارة دولة لا مجرّد مجموعاتٍ هشّة، وحين بدأت معركة “ردع العدوان”، كانت تتويجاً لسنوات من الاستعداد والإصرار، لا لحظة عسكرية معزولة.

 

سوريا ومحور المقاومة.

 تُوجَّه اليوم اتهامات لدمشق بأنّها اتخذت موقفاً معادياً لما يعرف بـ”محور المقاومة”، وأنّ هذا التحوّل ناجم عن رغبة في التقارب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، غير أنّ العودة لمسار الأحداث يكشف سردية مختلفة تماماً. 

الحكومة السورية الجديدة لم تكن صاحبة المبادرة في خلق القطيعة مع هذا المحور، بل إنّ فصائل وقيادات “المقاومة” نفسها هي التي انخرطت في الحرب داخل الأراضي السورية، وشاركت بوضوحٍ في عمليات قتل وتهجير ونهب، تحت شعارات طالما ردّدها قادتها بأنّ “الطريق إلى القدس يمرّ من القصير وحلب والزبداني”. هذه الخطابات ما تزال محفوظة وموثقة حتى اليوم.

ويبرز سؤال منطقي في هذا السياق: كيف يمكن لسوريا أن تسمح بمرور شحنات سلاح إلى حزب الله أو غيره، بينما جزء من هذا السلاح استُخدم ضد السوريين أنفسهم خلال سنوات الثورة؟

ثمّ منذ اندلاع عملية “طوفان الأقصى”، ما الذي قدّمه هذا المحور عملياً لفلسطين؟ وما الذي قدّمه لنظام الأسد منذ عام 2011؟ مقارنة بسيطة بين حجم تدخله العسكري في الداخل السوري، وبين حضوره في الصراع مع إسرائيل، تفتح الباب أمام إعادة تقييم الشعارات التي يرفعها.

حتى اليوم، لم يقدّم أيّ طرفٍ من هذا المحور اعتذاراً عن الجرائم والانتهاكات التي جرت، بينما تبقى شعارات تحرير القدس معلقة على أبواب المدن السورية المدمرة.

 

ردع العدوان: الفصل الأخير من قصة طويلة.

 لم تُسقط المعركة الأخيرة وحدها الأسد، بل كانت الخاتمة لمسار ثوري شاق، لو كان السقوط مبكراً لقال البعض “انتهت مهمة الأسد”، لكن أيّ منطق يمكنه تجاهل 14 عاماً من الثورة راح ضحيتها مليون شهيد وآلاف المعتقلين وملايين من اللاجئين داخلياً وخارجياً؟ أيّ عقلٍ يمكن أن ينسب النصر لتفاهمات سياسية ناسفاً آلاف المجازر وعدداً لا يحصى من الأسلحة التي جربت على أجساد السوريين؟ المعركة حُسمت لأنّ قوة الثورة كانت موجودة على الأرض لا لأنّ النظام استنفد دوره في ميزان السياسة.

 

لا فضل لأحد بعد الله علينا.

 في نصرنا الفضل الأول لله على ما أنعم علينا وثبّتنا ومكّن لنا بهذا النصر، ومن ثمّ الفضل لكلّ من صرخ في المظاهرات، ولكلّ من عُذب في المعتقلات، ولكلّ من استشهد تحت القصف ولكلّ من صبر في مخيمات اللجوء وأخيراً الفضل لكلّ من آمن بالنصر وصمد وثبّت وقاتل ودخل بالبندقية إلى دمشق.

لو لم يخرج هذا الجيش من إدلب ويدخل دمشق فاتحاً محرراً لحكمنا الأسد 50 عاماً أخرى. فيكفي نكراناً لنصرنا وتغييراً لسردية التاريخ. هذا نصر من آمن وعمل له وضحى من أجله.

شارك

مقالات ذات صلة