مجتمع

حماة.. مدينة صنعت تاريخها مرتين

نوفمبر 22, 2025

حماة.. مدينة صنعت تاريخها مرتين

أسماء البري

هناك مدنٌ تعيش في التاريخ، ومدنٌ تصنع التاريخ… وحماة كانت دائماً من النوع الثاني، مدينة دفعت أثماناً لا تُقاس، من مجزرة الثمانينيات إلى انتفاضتها الواسعة في 2011. واليوم، بعد كلّ ما قدّمته، يبقى السؤال الأهمّ: ألم يحن الوقت لنردّ الدين لهذه المدينة؟

مدينةٌ دفعت أثماناً باهظة من أجل كرامة العيش وذاكرة حيّة للفداء. من مجزرة الثمانينيات التي خلّفت جرحاً عميقاً في كلّ بيت، إلى انتفاضتها الواسعة في ثورة عام 2011، ظلّت المدينة تقدم أبناءها دفاعاً عن الحقّ والحرية.

جرح الثمانينيات.. بداية الحكاية.

في شباط/ فبراير 1982، شهدت حماة واحدة من أعنف المجازر في تاريخ سوريا الحديث. اجتاحت القوات العسكرية أحياء المدينة القديمة، مخلّفة عشرات الآلاف من الضحايا بين شهيدٍ ومفقود ومعتقل. تحوّلت الشوارع إلى ركام، وخيّم الصمت القسري على مدينة أراد لها النظام أن تُنسى.

لكن الذاكرة بقيت حاضرة. لم تُنسِ الأجيال الجديدة ما مرّ به آباؤهم، بل تحوّل الجرح إلى وعيٍ ومسؤولية، وإلى إرادة صلبة في مواجهة الظلم.

2011.. حين عاد الصوت المقموع

مع انطلاق الثورة السورية، خرجت حماة بأكبر مظاهراتها منذ عقود، فامتلأت ساحة العاصي بمئات الآلاف من المتظاهرين، في مشهدٍ لفت أنظار العالم. رفعت المدينة صوتها عالياً، مؤكدة أنّها لم تنسَ ما حدث، وأنّها لن تقبل أن يُعاد التاريخ من جديد.

ورغم الضغوط والرصاص والملاحقات، حافظت حماة على سلمية حراكها، وقدمت أحد أنقى مشاهد الثورة في سوريا.

الفداء.. بصمة المدينة التي لا تختفي

دفعت حماة ثمناً قاسياً إذ سقط مئات الشهداء، وتعرض الآلاف للاعتقال، ودُمِّرت أحياء وقرى، ومع ذلك، لم يتراجع أهلها. كانت كلّ جنازة تتحوّل إلى مظاهرةٍ جديدة، وكلّ بيتٍ فقد شهيداً يتحوّل إلى مساحةٍ جديدة للمقاومة.

قدّمت المدينة نموذجاً نادراً للفداء، وأثبتت أنّ الإرادة الشعبية أقوى من أدوات القمع.

مجتمع مدني يتحدى الخوف.

رغم الظروف الأمنية القاسية، برز دور المجتمع المدني في حماة خلال الثورة، إذ شكّل الشباب تنسيقيات لتوثيق الأحداث ونقل الأخبار، الأطباء أقاموا نقاطاً طبية سرية لمعالجة الجرحى، المعلّمون تابعوا التدريس في البيوت والأقبية، والنساء أدّين دوراً محورياً في الدعم النفسي والإنساني للأسر المتضررة. كانت المدينة تنبض بتضامن أهلها، وكأنّ الجميع قرروا أن يقفوا معاً في مواجهة الخوف.

الإبداع.. لغة أخرى للمقاومة.

إلى جانب التظاهر، ابتكر شباب حماة أساليب جديدة للتعبير. جداريات الحرية والحلم، رسومات الأطفال، الأناشيد التي كانت تُردد في الأزقة، كلها شكّلت مشهداً فريداً من الإبداع المقاوم. حتى في أكثر اللحظات قسوة، كانت المدينة تبحث عن طريقةٍ لتقول: نحن هنا… نحن نريد الحياة.

النساء والأطفال.. شهود على الألم وصنّاع للأمل

شاركت المرأة الحموية في الثورة بقوة لافتة؛ بين شهيدات ومعتقلات ومناصرات للحراك. أمّا الأطفال الذين كبروا على قصص الثمانينيات، فقد عاشوا ثورةً جديدة بأحلامهم الصغيرة وهتافاتهم العالية، ليشكّلوا امتداداً لجيل لم يعرف الاستسلام.

اليوم.. واجبنا أن نردّ الدين لحماة.

بعد كلّ ما قدمته هذه المدينة، لا يمكن أن يبقى دورها مجرّد صفحة في الذاكرة. اليوم، أصبح لزاماً على السوريين في الداخل والمهجر أن يدعموا أهل حماة، وأن يحفظوا حقوق ضحاياها، وأن يعملوا من أجل مستقبل يليق بتضحياتها.

ردّ الدين لحماة يعني إحياء ذاكرتها وعدم السماح بتزوير تاريخها، دعم أهلها بكل الوسائل الممكنة، المطالبة بالعدالة لكلّ من فقدوا أحباءهم، والإيمان بأنّ الحرية التي حلمت بها المدينة ما زالت ممكنة.

من مجزرة الثمانينيات إلى مظاهرات 2011، بقيت حماة رمزاً للصمود ودرساً في مواجهة الاستبداد. مدينة قاومت مرتين في ظرف جيل واحد، وقدّمت ما تستطيع وأكثر. واليوم، واجبنا أن نعيد لها مكانتها ودورها، وأن نحفظ تضحياتها من النسيان.

حماة… مدينة لم تُكتب قصتها بالدم لوحده بل بالإصرار والأمل، وما قدمته يستحق أن نردّه، وفاءً لوطن أرادته حراً.

شارك

مقالات ذات صلة