اقتصاد
لم تكن الزراعة في سوريا ركيزةً اقتصادية في هذه الأيام فقط، بل كانت عنصراً فاعلاً في هذه الجغرافيا وركيزة أساسية في اقتصادات الدول التي مرّت على هذه الأرض. لن أعود إلى العهد الروماني، سأبقى في الحاضر، شكّلت الزراعة العمود الفقري للتنمية الريفية، ومصدر رزق لمئات آلاف السوريين خلال العقود الماضية التي سبقت اندلاع الثورة في 2011، وساهمت على ما يقرب من 20% من الناتج المحلي الإجمالي، وتؤمّن العمل لما يزيد من ثلث اليد العاملة في البلاد. رغم هذه الأرقام الجميلة إلا أنّها عانت من سياسات التهميش وتعرضت لضغوطٍ كبيرة، وألحق بها أضرار بالغة جرّاء سياسات الانفتاح والتحرير الاقتصادي.
حتى جاءت الثورة وسلك النظام كلّ قنوات الجريمة بحقّ الزراعة والمزارعين، وحوّل البلاد من بلد مُنتج ومكتفٍ بالغذاء إلى بلدٍ جائع ومستورد للقمح، حوّل الأسد سوريا من مصدرٍ للغذاء والاستقرار لساحةٍ يعتريها الجوع والعوز، وينتظر أهلها المساعدات الدولية وساحة للأزمات والتحديات.
كانت سوريا إحدى الدول القلائل التي تتمتع باكتفاءٍ ذاتي من محاصيل استراتيجية مثل القمح والقطن والخضار وبعض أنواع الفواكه، بين بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. لم تكن تأل عبئاً كبيراً في تأمين مادة الخبز، الطعام الأساسي على مائدة السوريين، فالقمح ينتج بوفرة ويزيد للتصدير. لاحقاً بعد العام 2011 انخفض الإنتاج بنسبٍ صادمة لم تتجاوز في بعض السنوات مليون طن مقارنة بـ4 ملايين طن سابقاً.
أسباب هذا لا تتوقف على تراجع المساحات المزروعة وحسب، بل تشمل أيضاً انهيار البنية التحتية الزراعية وفقدان مدخلات الإنتاج، من وقود وأسمدة وبذور، والجفاف الذي ضرب أطنابه في المنطقة وخفّض منسوب المياه فيها. وهناك أسباب أخرى، تمثّلت بسلوك النظام الإجرامي ضد الفلاحين، مثل إحراق المحاصيل الزراعية، والقتل والتشريد والاعتقال ومصادرة الأراضي وانعدام الأمن وتحول بعض المناطق إلى نقاط تماس بالمعارك أو مناطق ملوثة بالألغام ما جعل الوصول إليها محفوفاً بالمخاطر، كلها أسباب دعت الفلاح لترك أرضه أو بيعها والخروج إلى بلدان اللجوء والمهجر.
ويشكّل تحدي المياه أحد أكثر التحديات إلحاحاً أمام الزراعة السورية، إذ تشير البيانات الدولية أنّ سوريا متأثرة بشدة بندرة المياه وتغير المناخ كما أنّ المياه الجوفية في بعض المناطق تُستغل إلى حد الاستنزاف، وأنّ الطلب في تصاعد مستمر، ولربما أضاء الضوء الأحمر منذ فترةٍ طويلة مع معرفة أنّ السحب يفوق الموارد الداخلية المتجددة للمياه. وهناك أيضاً التحديات المرتبطة بالموارد المائية عبر الحدود مع تراجع حصص تدفق المياه من تركيا في حوض الفرات والخابور، وهو ما تسبب في انخفاض إنتاج القطن وبعض المحاصيل بنسب كبيرة خلال السنوات الماضية.
إذن، يقف المزارع اليوم أمام تحديات خارجة عن إرادته متعلقة بالجفاف وانخفاض مناسيب المياه واستنزاف المياه الجوفية، يقف وحيداً فوق هذا كله ليواجه صعوبات ارتفاع تكاليف الإنتاج والتسويق والوصول إلى الأسواق الخارجية بعد انخفاض الدعم الحكومي الفعّال، وعدم تموضع القطاع الزراعي في سلم أولويات الحكومة في الفترة الحالية والقادمة.
لا يكفي الكلام في سطور للتعبير عن أهمية القطاع الزراعي، لكن يكفي رفع الصوت عالياً بضرورة تمكين المزارعين اقتصادياً وسياسياً، والانتقال من منطق الإغاثة الزراعية إلى رحاب التنمية المستدامة على مستوى الوطن، فالمطلوب لا يقتصر على توزيع بذور وأكياس وأسمدة ومساعدات موسمية ودورة تدريبية للمزارعين. هذا لا يكفي لإنعاش القطاع الزراعي. فالمطلوب اليوم بناء سلاسل القيمة الزراعية من الحقل إلى السوق، وتمكين المزارع سياسياً قبل اقتصادياً للمطالبة بحقوقه والمساهمة في رسم مستقبل البلاد.
إصلاح الزراعة في سوريا، ليس عملية تقنية فقط، بل مشروع سياسي واقتصادي في آنٍ واحد. فتمكين المزارعين يعني إعادة الاعتبار للأرياف، وتحقيق عدالة اجتماعية في توزيع الموارد بين أفراد المجتمع، وكسر مركزية القرار الاقتصادي واتخاذ الحكومة لقرارات لا تصب في مصلحة المزارع.



