مشاركات سوريا
– الكاتبة: أسماء البري
منذ اللحظة الأولى لاندلاع الثورة السوريّة، برزت أصوات شبابيّة لم تعرف للخوف أو المستحيل معنى، وكان لها وقعٌ يتجاوز حدود المكان لتصبح رمزاً لقضية شعب بأكمله. ومن بين تلك الأصوات، يسطع اسم عبد الباسط الساروت، الذي اشتُهر بلقب “حارس الثورة” وصوتها العفوي الصادق. لم يكن الساروت مجرّد منشدٍ للهتافات والأهازيج، بل كان مرآةً لوجدان السوريين، ينقل آمالهم وأحلامهم كما ينقل أوجاعهم ودموعهم.
في أهازيجه التي هزّت الساحات، لم ينسَ الساروت مدينة إدلب، فوصفها بكلماتٍ بقيت محفورة في ذاكرة الثورة: “إدلب أم الأبطال وريح الثورة”. عبارة بسيطة في ظاهرها، لكنّها تحمل معاني عميقة تختصر مسار مدينة تحوّلت إلى قلعةٍ للمقاومة ورمز للصمود في وجه أعتى آلة حرب عرفها السوريون.
لم تكن إدلب مجرّد مدينةٍ منسية كما كانت على زمن البائدَين، بل تحوّلت مع مرور السنوات إلى قلبٍ نابض للثورة ومركز رئيسيّ لاحتضان الثوار والمهجّرين من مختلف المناطق. مع سقوط مدنٍ عدة بيد النظام البائد واحتلالها بقيت إدلب شامخة بوجه الحملات العسكرية والقصف، تستقبل أبناء درعا وحمص والغوطة وحلب وغيرها. وفي أحيائها وقراها اجتمع السوريون بكل أطيافهم، ليشكّلوا نسيجاً مقاوماً واحداً جمعه حلم الحريّة والتغيير.
هذا الدور جعل إدلب أشبه بـ”سوريا الصغرى”، كما يصفها كثيرون، وكرّس مكانتها عاصمة سياسيّة وإنسانيّة للمعارضة. وهو ما انعكس في كلمات الساروت حين أطلق عليها “ريح الثورة”، أي القوة التي تدفع الأحداث للأمام وتبقي جذوة الأمل مشتعلة في النفوس.
حين قال الساروت إنّ إدلب “أم الأبطال”، لم يكن يهتف لمجرد حماسة آنية، بل كان يختصر تاريخاً من التضحيات. فمنذ البدايات، قدّم أبناء إدلب أرواحهم دفاعاً عن حريّة وطنهم، وصمدوا في وجه القصف والحصار والتهجير. كثير من المقاتلين والقادة البارزين انطلقوا من أرضها، وكثير من الشهداء كتبوا بدمائهم صفحات مجدها.
وبقدر ما احتضنت إدلب الثورة، بقدر ما ردّ لها الساروت الوفاء بكلماته وأهازيجه. فقد كانت بالنسبة له رمزاً للمقاومة، وميداناً يليق بأن يحمل راية الحرية حتى الرمق الأخير.
بقيت إدلب في مواجهة التحديات رغم السنوات الطويلة من القصف المكثف والعمليات العسكرية المستمرة، بقيت إدلب صامدة وتحمّلت أثماناً باهظة من دمارٍ ونزوحٍ وتشريد، لكنّها لم تنكسر، بل واصلت تأدية دورها حصناً أخيراً للثورة السورية.
رغم الظروف الصعبة التي عاشها أبناؤها من قصفٍ متكرر وأوضاع معيشية قاسية، بقيت إدلب عنواناً للصمود، ووجهة للمهجّرين الباحثين عن مأوى. أبناؤها الذين حملوا عبء الثورة ظلوا متمسكين بالأمل، يصرّون على أن تبقى مدينتهم شاهدة على حلم السوريين بالحرية، وبوابة نحو مستقبل أفضل بعيداً عن الاستبداد والظلم.
رحل عبد الباسط الساروت جسداً، لكنّه ترك إرثاً من الأغاني والهتافات التي ما تزال تتردد في ساحات إدلب وسوريا بأكملها. صوته الذي كان يهتف للحرية وللشهداء وللمدينة الصامدة، صار جزءاً من ذاكرةٍ جماعية لشعب يرفض الاستسلام.
إدلب في عيون الساروت لم تكن مجرّد مدينة، بل صورة مصغرة عن الثورة نفسها، مدينة احتضنت الأبطال، ودفعت ريح التغيير في وجه الطغيان. وبقيت، كما وصفها، “أم الأبطال وريح الثورة”.
وفي النهاية، يمكن القول إنّ النظام سقط وبقيت إدلب في وجهه، شامخة، حرة، قوية،حاضنة، وأم، بل هي رمز للثبات، وحكاية مدينة دفعت الغالي والنفيس كي تبقى شعلة الأمل متقدة. أما في ذاكرة السوريين والأحرار، فهي ستظل “سوريا الصغرى” التي جمعت أبناءها على كلمة الحرية، وأعادت للثورة نبضها كلّما حاولوا إخمادها.
إدلب هي الأمل الذي لا يموت، وهي الصورة التي رآها الساروت وخلّدها بصوته لتبقى في قلوب الأحرار إلى الأبد.


