مشاركات سوريا
الكاتبة: دينا القصير
يعيش المغترب السوري اليوم بين خيارين ثقيلين على القلب والعقل: العودة إلى الوطن رغم تعقيداته، أو البقاء في الغربة رغم مرارتها. وبين الحنين إلى الأرض والاضطرار للاستقرار في مكان آخر، يجد العائدون أنفسهم في مواجهة تحديات معيشية صعبة، أبرزها تأمين منزل يأويهم ويمنحهم الحد الأدنى من الاستقرار.
فحلم “بيت العمر”، الذي يُفترض أن يكون من أبسط حقوق المواطن، بات رفاهية بعيدة المنال. لم يعد امتلاك منزل في سوريا متاحاً لا للمغتربين ولا حتى للمقيمين داخل البلاد، فحتى من يملك دخلاً جيداً بات عاجزاً أمام الأسعار المرتفعة، الطلب المتزايد، وغياب الرقابة، في ظل استغلال واضح من بعض أصحاب العقارات للظروف الاقتصادية المتدهورة.
ومع ارتفاع الإيجارات إلى مستويات غير مسبوقة، لم يعد السكن مجرّد احتياج أساسي، بل أزمة خانقة تُثقل كاهل السوريين في الداخل والخارج على حد سواء.
مكاتب العقارات تكشف أسباب الغلاء وتغيرات السوق
أيهم طبشو، مدير مكتب “البيك” العقاري في حي السبيل بحلب، أكد أن تسعير العقارات في المدينة بات يتم بالدولار الأمريكي بدلاً من الليرة السورية، ما يعكس واقعاً اقتصادياً صعباً ويزيد من تعقيدات سوق السكن.
“في المناطق الغربية من حلب، تبدأ أسعار البيوت من 150 ألف دولار في المناطق الغربية، وتزيد بحسب الموقع والمساحة، خصوصاً في الأحياء المخدّمة مثل الزهراء وحلب الجديدة الشمالية، حيث يزداد الطلب على البيوت المستقلة المؤلفة من 3 غرف”، وأشار طبشو إلى أن الإيجارات تشهد اهتماماً متزايداً، لكن ارتفاع الأسعار يدفع كثيرين للانتقال إلى الأحياء الشرقية ذات التكلفة الأقل، رغم تدني مستوى الخدمات فيها.
أزمة السكن تفاقمت بشكل ملحوظ بعد عودة أعداد كبيرة من المغتربين إلى البلاد، حيث يتجه الكثير منهم لشراء منازل بدلاً من استئجارها، حيث أصبح الضغط على السوق الإيجارات، وأوضح أيضاً أنه لا يوجد حالياً أي نشاط استثماري من قبل المغتربين في قطاع البناء، نتيجة التخوف من تقلبات سعر الصرف وعدم استقرار السوق.
وأكد عمر، مالك مكتب الوسيط العقاري في حي صلاح الدين بمدينة حلب، أن أسعار المنازل تختلف تبعاً لعوامل عدّة أبرزها الموقع، وارتفاع الطابق، وحالة البناء، وآلية نقل الملكية. وأكّد أن هناك مفهوماً خاطئاً شائعاً لدى بعض المواطنين، يتمثّل في الاعتقاد بأن المكاتب العقارية هي من تتحكم بالأسعار وترفعها لتحقيق مكاسب إضافية، بينما الواقع أن الأسعار تُفرض غالباً من قِبل مالكي العقارات أنفسهم نتيجة الطمع أو استغلال الحاجة الملحّة للسكن.
وبيّن أن أسعار المنازل في منطقة السكري الواقعة شرق حلب تتراوح بين 4000 إلى 30 ألف دولار، في حين يتركّز الطلب الأكبر حالياً على المناطق الغربية من المدينة، وأضاف أن شراء المنازل لم يعد يُنظر إليه وسيلة للادخار كما في السابق، بل أصبح قراراً ناتجاً عن الحاجة والضرورة، نتيجة الارتفاع الكبير في الأسعار وعجز معظم المواطنين عن الشراء، مما زاد الضغط بشكل كبير على سوق الإيجارات.
من المستفيد من ارتفاع أسعار الإيجارات ؟
يعزو العاملون في سوق العقارات في حلب الارتفاع الكبير في الأسعار إلى عدة أسباب رئيسية، أبرزها ارتفاع تكاليف البناء نتيجة تضاعف أسعار مواد البناء مثل الإسمنت والحديد والبلوك، بالإضافة إلى ارتفاع أجور العمال. كما يقتصر الشراء حالياً على التجار وأصحاب رؤوس الأموال الكبيرة والمغتربين، مما يعزز ظاهرة المضاربة ويؤدي إلى رفع الأسعار بشكل مصطنع.
حيث لا يخضع التسعير لأي معايير واضحة أو جهة رقابية فعالة، بل يُترك لتقدير أصحاب العقارات، ما يخلق تفاوتاً كبيراً في الأسعار ويزيد معاناة المواطن. وبينما يتجه معظم السوريين نحو الإيجار كحلّ مؤقت، يبقى حلم امتلاك “بيت العمر” مؤجلاً أو مستحيلاً لدى شريحة واسعة، في ظل غياب حلول جذرية أو تدخلات تنظيمية تضمن التوازن بين العرض والطلب.
تجربة أحد المواطنين في شراء منزل
واجه المواطن السوري أحمد، المقيم في تركيا، قراراً صعباً عند رغبته بالعودة إلى وطنه، بعد أن بحث عن منزل في سوريا ليؤمن استقراره وأسرته. لكمه تفاجأ بالأسعار المرتفعة جداً، حيث عُرض عليه منزل في منطقة أبو رمانة مكون من 5 غرف بسعر 250 ألف دولار أمريكي، وهو مبلغ يعتبره بعيداً عن قدرته المالية.
بسبب هذا الفارق الكبير في الأسعار وعدم المعقولية التي وجدها في سوق العقارات السوري، قرر أحمد البقاء في إسطنبول، حيث وجد أن الأسعار هناك أكثر تنافسية وأقرب لإمكانياته، مما دفعه للاستمرار في الغربة بدلاً من مواجهة أزمة السكن في بلده.
تجربة أحمد تعكس واقع العديد من السوريين الذين يرغبون في العودة ولكنهم يواجهون تحديات اقتصادية كبيرة بسبب غلاء أسعار العقارات التي باتت حلماً بعيد المنال.
أسعار العقارات في بعض المدن السورية
تختلف أسعار العقارات بشكل كبير بين المدن السورية، حيث تُعدّ العاصمة دمشق الأغلى، وخاصة في المناطق الراقية مثل المالكي وأبو رمانة، حيث تتجاوز أسعار بعض الشقق 300 ألف دولار. في مدينة حلب، تتراوح أسعار الشقق في الأحياء الغربية كحلب الجديدة والشهباء بين 100 و250 ألف دولار بحسب المساحة والموقع. أما في حمص وحماة، فتُعتبر الأسعار أقل نسبياً، حيث يمكن العثور على شقق تتراوح أسعارها بين 25 و80 ألف دولار.
دير الزور تتراوح الأسعار بين 20 إلى 50 ألف دولار، في حين تشهد مدن الساحل مثل اللاذقية وطرطوس ارتفاعاً ملحوظاً في الأسعار، خاصة مع ازدياد الطلب من قِبل المغتربين ورجال الأعمال، حيث تبدأ الأسعار من 50 ألف دولار وقد تصل إلى 150 ألف دولار حسب الموقع والمساحة. هذه الفروقات تعكس الواقع الاقتصادي والاجتماعي المتفاوت في سوريا وتأثير عوامل عدة كالوضع الأمني والتضخم وارتفاع سعر الدولار.
تحليل اقتصادي لسوق العقارات
يرى الباحث الاقتصادي عزام الكسيري، رغم الزيادة الأخيرة على الرواتب والأجور بنسبة 20% في مطلع آب/ أغسطس 2025، فإن الدخل الشهري ما يزال من بين الأدنى عالمياً، مما لا ينسجم مع تكاليف السكن المرتفعة، خاصة في ظل انخفاض مرونة الطلب على العقارات واعتبار السكن “سلعة ثقيلة”.
وبحسب المعطيات، تجاوز إيجار شقة صغيرة (غرفتين وصالة) في بعض المناطق مبلغ 12 مليون ليرة سورية سنوياً، أي ما يعادل دخل عام كامل لمواطن يبلغ راتبه مليون ليرة شهرياً. من جهة أخرى، فإن عائد الإيجار لا يُمثل ربحاً حقيقياً للمالك أيضاً، حيث لا تتجاوز نسبة العائد 5% في الأحياء الشعبية، ويعود ارتفاع أسعار العقارات إلى اعتمادها على تكلفة البناء وهامش ربح المستثمر، وليس على أساس دخل المواطن. وتشهد مناطق مثل المالكي، أبو رمانة، مشروع دمر في دمشق، ومنطقة المحافظة، حلب الجديدة والشهباء في حلب، أسعاراً عقارية مرتفعة جداً، ما يعمّق فجوة القدرة على التملّك، ويزيد الضغط على سوق الإيجارات، الذي يُعاني أصلاً من انخفاض المعروض.
وأشار الكسيري أن طلب المغتربين جزءاً كبيراً من حجم الطلب على العقارات، مدفوعاً برغبتهم في الحصول على سكن بجودة عالية، ورغبة في استثمار آمن ومستقر. غير أن نجاح الاستثمار العقاري يحتاج إلى بيئة قانونية وأمنية مشجعة تحمي المستثمرين وتضمن حقوقهم.
ورغم غياب التسعير الرسمي، لا يعاني السوق من فوضى الأسعار، نظراً لتوازن نسبي بين العرض والطلب؛ حيث لا يعرض المالك عقاره بسعر غير واقعي، ولا يشتري المشتري خارج حدود قدرته الشرائية.
ومن جهة الرقابة، لا توجد جهات رقابية مباشرة تضبط عمليات البيع والشراء، بل تقتصر على الرقابة القانونية ومطابقة العقود للمواصفات المتفق عليها، أما التوجه الحكومي، فهو محكوم بالضرورات الاقتصادية والاجتماعية التي تفرض توفير بيئة مناسبة للاستثمار العقاري.
حق المواطن في الاستقرار السكني
وفي ظل هذا الواقع المعقّد، يبقى حلم امتلاك “بيت العمر” في سوريا بعيد المنال بالنسبة لكثير من المواطنين، سواء داخل البلاد أو خارجها. بين غلاء الأسعار، وانخفاض القدرة الشرائية، وتقلّص خيارات السكن، يتحوّل هذا الحلم إلى عبء نفسي ومادي ثقيل.
وهنا يبرز دور الحكومة السورية كعامل محوري لا يمكن تجاهله، إذ يُفترض أن تكون الجهة المسؤولة عن تنظيم السوق، ووضع آليات رقابية حقيقية للحد من المضاربات العقارية، والعمل على إطلاق مشاريع سكنية مدروسة تتناسب مع دخل المواطن. فالأزمة لم تعد شأناً فردياً، بل تحوّلت إلى معاناة جماعية تتطلّب تدخلاً رسمياً عاجلاً، وخطط إسكان واقعية تُعيد التوازن إلى السوق، وتمنح السوريين حقهم الطبيعي في السكن والاستقرار، بعيداً عن عشوائية السوق وجشع بعض المستثمرين.
وإلى أن يتحقق ذلك، سيبقى كثير من السوريين يعيشون على أمل أن يعود يوم يُبنى فيه البيت، لا على الطمع، بل على العدالة والكرامة.


