أدب

يوسف الحكيم.. قرن كامل بين القضاء والسياسة والتاريخ

أغسطس 27, 2025

يوسف الحكيم.. قرن كامل بين القضاء والسياسة والتاريخ

الكاتب: عصام يزبك

 

في حياة تمتد على مدى 100 عام (1879 – 1979)، يقف يوسف الحكيم أحد أبرز الشهود على تحولات سورية الكبرى: من أواخر العهد العثماني، مروراً بالحرب العالمية الأولى، وصولاً إلى العهد الفيصلي، فالانتداب الفرنسي، ثم الاستقلال. لم يكن مجرد قاضٍ أو وزير، بل مثقف موسوعي ومؤرخ ترك للأجيال مرجعاً لا غنى عنه لفهم تاريخ سورية الحديث.


وُلد في اللاذقية عام 1879 في أسرة عُرفت بالعلم والمكانة الاجتماعية، فوالده الطبيب يعقوب الحكيم ووالدته حنة حبيش من عائلة تجارية. تلقى علومه الأولى على يد مدرس خاص، ثم في المدرسة الإنجيلية الأمريكية، قبل أن يتخرج من المكتب الإعدادي الحكومي عام 1899. دخل ميدان التعليم أولاً، لكنه سرعان ما التحق بسلك القضاء العثماني، متنقلاً بين القدس ويافا وطرابلس وبيروت، حيث صقلته التجارب الإدارية والقانونية.


خلال الحرب العالمية الأولى، اختاره جمال باشا ليترأس لجنة ترجمة القوانين من التركية إلى العربية، فكان له إسهام كبير في إدخال التشريعات إلى بيئة قانونية عربية جديدة. كما تولى مناصب إدارية كقائم مقام في الكورة والبترون، ثم مديراً لمراسلات حكومة جبل لبنان، ليصبح واحداً من رجال الإدارة المعروفين بالكفاءة والانضباط.


مع انهيار الدولة العثمانية، انحاز الحكيم سريعاً إلى مشروع الدولة العربية الوليدة، فكان من أوائل الذين بايعوا الأمير فيصل، وانتُخب نائباً لرئيس المؤتمر السوري العام عام 1920. وفي الوزارات المتعاقبة لعلي رضا الركابي وهاشم الأتاسي وعلاء الدين الدروبي، تولى وزارة النافعة، ثم عاد لاحقاً وزيراً للعدل في حكومات أحمد نامي (1926 – 1928). وقد ارتبط اسمه بعلاقة صداقة وثيقة مع نامي، حيث أدى دور “المستشار الهادئ” الذي ساعد على تمرير بعض الإنجازات في ظل سطوة الفرنسيين.


لكن يوسف الحكيم لم يغرق في صراعات السياسة كما فعل كثيرون من أبناء جيله. فقد كان مستقلاً عن الأحزاب، وأقرب إلى صورة “التكنوقراطي المتجرد” الذي يوازن بين خدمة الدولة وتجنب الاصطفافات. وبعد تقلبات السياسة، آثر العودة إلى القضاء، فشغل منصب الرئيس الثاني لمحكمة التمييز حتى تقاعده عام 1948، محتفظاً بسمعته كرجل قانون نزيه.

 

المؤرخ والشاهد

الأهمية الكبرى للحكيم لا تكمن فقط في مناصبه، بل في مذكراته التي نشرتها دار النهار اللبنانية في أربعة أجزاء:
• سورية والعهد العثماني، حيث سجل تفاصيل الإدارة والحياة السياسية في أواخر أيام السلطنة.
• بيروت ولبنان زمن آل عثمان، وفيه شهادته على الحرب العالمية الأولى وتجارب جبل لبنان.
• سورية والعهد الفيصلي، عن تجربة الملك فيصل ومعركة ميسلون وبدايات الانتداب.
• سورية والانتداب الفرنسي، الذي تتبع فيه الثورة السورية الكبرى وتقلبات الحكومات حتى الاستقلال.
كتبه هذه ليست مجرد سرد شخصي، بل وثائق دقيقة تُظهر وعي رجل عاش الأحداث من داخلها، ودوّنها بعيون قاضٍ يعرف قيمة الكلمة والوثيقة. أما الجزء الخامس من مذكراته، المخصص لفترة ما بعد الاستقلال والانقلابات العسكرية حتى 1963، فقد بقي حبيس الأدراج بسبب الظروف السياسية آنذاك.

 

إرث ممتد

يوسف الحكيم لم يكن سياسياً صاخباً ولا زعيماً حزبياً، بل شاهداً صامتاً كتب ما عاشه بعين الباحث وذاكرة القاضي. عاش قرناً كاملاً، لكنه ترك ما هو أطول من العمر: سجلاً موثقاً لتاريخ سورية في أكثر لحظاتها حساسية.
ومن هنا يمكن القول إن الحكيم لم يكتفِ بأن يكون جزءاً من التاريخ، بل قرر أن يكون شاهداً عليه، مسجلاً تفاصيله للأجيال القادمة، ليبقى اسمه حاضراً في الذاكرة السورية لا كسياسي فقط، بل كصاحب شهادة موثوقة على قرن كامل من التحولات.

شارك

مقالات ذات صلة