آراء
كنتُ “في الزمانات” من قاطني “جدّة”، وكان عملي يقتضي مني السفر إلى مختلف المدن السعودية من أجل تقديم ورشات تدريبية، وكانت الشركة التي أعمل معها تتكفل لي بتذكرة الطيران إلى تلك الديار، لكني كنت أُفضّل أن أسافر برٍا في معظم الأحيان.
فقد وجدت في السفر بسيارتي فرصةً للخلوة بالنفس، ومتعة في استكشاف الطرق واستطلاع الأرض والبلدات والقرى في أثناء الطريق، ورأيت في إرهاق الطريق، وطول المدة مقارنةً بالطيران، ضريبةً يطيب لي دفعها راضيًا، لأني جرّبتُ السفر جواً فوجدتُه يوفر الوقت بمقدار ما يخصم من الذكريات والتجارب الشخصية.
ذرعتُ بسيارتي التراب السعودي شرقًا وغربًا، وشمالًا وجنوبًا، فبلغت جازان في أقصى الجنوب، وطبرجل في شمال الشمال، والرياض والقصيم في الوسط، والأحساء والدمام في الشرق.. وجنيتُ من تلك الرحلات ذخيرةً لابأس بها من المواقف الماتعة والذكريات الحلوة، والورطات الصغيرة التي شكلت لي ذخيرة من الحكايات الطيبة.
على سبيل المثال: بدل أن أطير من جدة إلى الرياض في ساعة وكسر من الساعة، فضّلت أن أنطلق قبل ميعاد الوصول بليلتين، فأسلك الطريق من جدة إلى الطائف مرورًا بمكة المكرمة، وأقف وقفةً في “الهدا”، فأشمّ هواءً باردًا نقيًا، ثم أكمل طريقي إلى الطائف، وأفطر في مطعم فول قريب من مسجد العباس رضي الله عنه، ثم آخذ لي كوبًا من الشاي، وأمتطي سيارتي إلى الرياض، ولعلي أن أظفر في الطريق بفرصة للوقوف من أجل الصلاة في واحد من المساجد على محطة في الطريق، ولعلي أن أسرح بنظري في تشكيلات الرمال التي تتغير ألوانها كلما مررت بمرحلة من الطريق، ولعلي أن أغذي رأسي بأسماء القرى والهجر التي تشير إليها اللوحات.. وفي كل هذا متعة بالنسبة لي، لا يحلم بها من يبلغ الرياض في أقل من ساعتين.
لقد علّمتني تلك الأسفار الشائقة جدًا، الشاقة نوعًا ما.. أن توفير الوقت والجهد ليس مكسبًا بالضرورة!
وهذا يذكرني بقصة جرت لي عام ٢٠١٢ تقريباً، حين كنتُ أعمل في منظمة كبيرة، كان على رأسها رجلٌ مشهور بكثرة تأليفه وتحقيقاته، وهو في الحقيقة مشغول بعمله الإداري عن التصنيف والتحقيق، لكن عنده باحثين معوزين، يحققون ويصنّفون، ويتسلمون منه رواتبهم، ثم يصدر هو تلك الكتب باسمه، وكأنها نتاج عصارة دماغه!
وبينما أنا في تلك المنظمة، إذ وصلني عرضٌ بأن أكتب كتابًا وأتسلّم ثمنًا بخسًا بضعة ألوف من الريالات، وكان الذي أوصل إليّ العرضَ زميلًا يعمل مع ذلك الرأس، ولم يخبرني باسم صاحب العرض، لكني خمّنت من هو، كما خمّنتَ أيها القارئ الفطن.
لكني أخذتها عبرة.. بوسع المرء أن يبدو مؤلِفًا حين يوظّف من يكتب نيابةً عنه، لكنه لن ينال من منفعة هذا التأليف إلا شيئًا واحدًا: سمعةً زائفة. أما منافع التأليف الأخرى: من تنشيط العقل، وتوسيع المعرفة، وزيادة المران، وقوة المهارة؛ فلن ينالها.. وهو بهذا يخسرُ أكثر بكثير مما ربح، لو أنه يعقل!
والآن، دعني أنفذ من وراء هاتين الحكايتين إلى ما أريد قوله:
إني أجيرك بالله أن تزعم أنك كتبتَ مقالةً إن كانت هذه المقالة مكتوبة بالذكاء الاصطناعي! فأنت في الحقيقة لم تكتب، بل أمرت موظفاً رقمياً أن يكتب شيئًا، ثم أخذته ووضعت عليه اسمك، كما فعل ذلك الرجل الذي حدثتك عنه آنفًا.. لا فرق بينك وبينه، فكلاكما خرج خاسراً أكثر مما ربح.
لا تعتبر نفسك كتبت شيئاً إن كانت نصوصك نتيجةً لاستخدام الذكاء الاصطناعي.. فأنت حين توكل الذكاء الاصطناعي أن يكتب نيابة عنك؛ تخسر كثيراً:
تخسر فرصة حقيقية للكتابة الأصيلة، واللمسة الشخصية، والبصمة الإنسانية، والعمق العاطفي، والاتصال الحقيقي بالنفس، الذي تتيحه كل تجربة كتابية حقيقية وصادقة.
كأني بك تتهمني بالتزمت والتمسّك بالقديم، وتنسب إليّ التحذير من الذكاء الاصطناعي، وأنا سعيد بهذه التهمة، وأقول فوقها: تعسًا وبئسًا للذكاء الاصطناعي إن كان يكتب وتستريح أنت، وما أحسن الذكاء الاصطناعي إن كان يساعدك كما تساعد الآلة الحاسبة المحاسب،
فيعينك في البحث، وتقريب المعلومة، وتوليد الأفكار، ومراجعة النص، واقتراح التحسينات، وإبراز نقاط القوة والضعف، وغير ذلك.
فإن أبيت بعد كل هذا إلا أن تنشد الراحة؛ فأنت وذاك! ولكني أحب أن أختم حديثي لك بحكاية صغيرة:
يحكي أحد العلماء المعاصرين للإمام أحمد بن حنبل فيقول: دخلت على أحمد الحبس قبل الضرب، فقلت له في بعض كلامي: يا أبا عبد الله! عليك عيال، ولك صبيان، وأنت معذور؛ كأني أسهل عليه الإجابة [إلى القول بخلق القرآن]، فقال لي أحمد بن حنبل: إن كان هذا عقلك يا أبا سعيد! فقد استرحت!
وما أعقل أن يعُد العاقلُ الراحةَ نقيصةً إن كانت سبباً إلى خسارة أكيدة.. ولقد قال المكيّون مثلًا يعبّر عن هذا بقولهم: “ربّنا ريّح العريان من تعب الغسيل”!




