مدونات
للكاتب: إسلام حافظ عبد السلام
سؤال لا يُطرح بحثًا عن إجابة بقدر ما يُلقى في الفراغ كشكل من أشكال الرفض. هو أشبه بصرخة كونية مكتومة تصعد من عمق الإنسان حين يعجز عن التفسير، حين يقف العقل في مأزقه الأزلي: كيف يمكن أن يوجد هذا الكم من الألم في كونٍ يُفترض أنه محكوم بنظام؟ كيف تُترك الأرواح لتتأرجح بين الظلم والخذلان، بين الغياب والتشظي، دون أن تتدخل يد تُرجع الميزان إلى نصابه؟
العدالة، كما يراها الإنسان، مفهوم بشريٌّ صِرْف. نحن وحدنا من نسأل عنها، نحن وحدنا من نتألم لغيابها، لأننا نحن وحدنا من نَخْتَرِع لها معنى. الكون لا يسأل إن كان من العدل أن يولد طفل مشوهًا ويموت بعد أيام، أو أن تفقد أم أبناءها في حرب لا شأن لها بها، أو أن يُلقى بإنسان في السجن لأن قلبه نطق بما لا يليق في عصر الصمت. النجوم لا تعبأ، والكواكب لا تنتبه، والبحار لا تتوقف لتنوح مع الغرقى. الكائنات كلها تمضي وفق ما يُفرض عليها، وحده الإنسان يحلم، يحتج، يتساءل، ويتمزق داخله بين الرغبة في المعنى وغيابه.
الحياة ليست كيانًا أخلاقيًا، ولا يمكن مساءلتها. هي، ببساطة، موجودة. تحدث. لا تنوي، لا تُخَطِّط، لا تعتذر. من هنا يبدأ التمزق: نحن نريد من الحياة أن تتصرف بعدل، لكننا نخاطب صمتًا مطلقًا، نضع قوانيننا الأخلاقية على ظواهر لا تخضع لها. في نظر الطبيعة، لا يوجد ظلم ولا عدل، بل فقط نتيجة. الريح لا تُميّز بيت الطاغية من كوخ البريء، والمرض لا يسأل عن رصيد المريض في بنك الخير أو الشر. وهكذا نمضي في عالم لا يحكمه ضمير، لكننا نحن نحاكمه بضميرنا.
في لحظة ما، يصطدم الإنسان بحقيقة فادحة: أن العدالة ليست مبدأً كونيًا، بل هي قيمة اختلقناها لأننا لا نستطيع احتمال الفوضى. خلقنا مفهوم “العدل” كما خلقنا فكرة “الإله العادل” و”السماء المنتظرة” و”الجزاء الموعود”، لا كحقائق مثبَتة، بل كضرورة نفسية لبقائنا. نحن لا نحتمل أن يكون كل شيء عبثًا. لا نُطيق فكرة أن من مات مقهورًا تحت التعذيب، لن يُنصف أبدًا. أن المجرم الذي عاش في رفاهية، ومات على سريره، قد فاز. هذه الفكرة وحدها قادرة على تدمير جوهرنا الأخلاقي من الداخل. لذلك، نُصرّ على الإيمان بميزان ما، خفي، سيُعاد فيه كل شيء إلى موضعه. نؤمن به لا لأنه مؤكد، بل لأنه ضروري لبقائنا.
الذين سُحقوا، الذين خسروا كل شيء، هم الأكثر تَعلُّقًا بهذه الفكرة. ليس لأنهم أغبياء أو ضعفاء، بل لأنهم لا يملكون سواها. لأن اليأس، حين يُصبح أعمق من الصراخ، يحتاج إلى قصة نرويها لأنفسنا لنتمسّك بخيط رفيع من المعنى. وربما كان هذا التمسك، في حد ذاته، أحد أنبل وجوه الإنسانية: أن نرفض القبح، ولو كان حتميًا. أن نحلم بالعدل، حتى لو لم نره. أن نحمل في قلوبنا ميزانًا نزن به العالم، رغم أن العالم لا يُبالي.
هل هذه الحياة عادلة؟ لا. ولن تكون. لكنها تمنحنا ما هو أعقد من العدالة: تمنحنا الحرية في أن نكون عدولًا نحن، أن نمارس اختيار الخير، حتى في عالم لا يُكافئ عليه. هذا وحده المعنى، هذه وحدها المعجزة. أن نزرع وردة في أرض قاحلة، أن نمد يدًا رغم الغدر، أن نقول “لا” في وجه القوة، أن نحمي الحقيقة في زمنٍ يُحترِف تزويرها. تلك هي العدالة التي لا تأتي من الحياة، بل منا. نحن لا نعيش كي نُكافأ، بل لنُثبت أن في قلب العبث شيئًا يشبه الكرامة. في قلب الفوضى شيء يشبه النظام الذي لا يفرضه الخارج، بل ينبع من داخلنا. لسنا سوى لحظات قصيرة في هذا الكون، لكن تلك اللحظات تكتسب قيمتها حين نملأها بما نؤمن به، لا بما يفرضه الواقع علينا.
فالحياة، في نهاية الأمر، لا تُحكم بمعاييرنا. لكنها تختبرنا باستمرار: هل سنُصبح جزءًا من ظلمها؟ أم سنحاول، بما استطعنا، أن نخفف حدّته؟ قد لا تُنصفنا الحياة، لكن أن نبقى أوفياء لفكرتنا عن العدالة، رغم كل شيء، هو أسمى أشكال الانتصار.
