مدونات

رفع العقوبات عن سورية: بين فرص التعافي ومخاطر إعادة إنتاج الواقع!

مايو 23, 2025

رفع العقوبات عن سورية: بين فرص التعافي ومخاطر إعادة إنتاج الواقع!

باتت عبارة رفع العقوبات عن سورية متداولة بتواتر كبير ومتزايد، وذلك في الأيام والشهور التي تلت انتصار إرادة السوريين وهزيمة نظام الفار بشار الأسد وعصابته الحاكمة. ولم يقتصر مدلول هذه العبارة “رفع العقوبات” على التداول السياسي، بل أصبح يُعبِّر عن معادلة في أذهان السوريين، وهي: إما انفراج وبدء رحلة التعافي، أو انغلاق وانهيار وإعادة إنتاج دورة السيطرة مرة ثانية.

وتم تداول هذه العبارة على لسان أعضاء الحكومة السورية الجديدة في تصريحاتهم ومقابلاتهم ولقاءاتهم، حيث أكدوا أنهم لن يجترحوا المعجزات ويقفزوا بواقع الحال ما لم تتحقق عبارة رفع العقوبات عن سورية.

الآن وقد رُفِعَت العقوبات، فماذا نحن (أنتم) فاعلون؟ وهل أنتم (نحن) مستعدون؟ وهل رفع العقوبات نهاية القصة أم بدايتها؟

لعله من المفيد النظر إلى عملية رفع العقوبات أكثر من كونها تحقيق نصر سياسي ودبلوماسي، بل هي عامل مساعد من عوامل بناء السلام والتنمية في بلادنا، وهذا يتطلب:

  • إعادة تأهيل البنية الاقتصادية والتشريعية من أجل ضمان توزيع عادل ومتوازن للموارد.
  • إفساح المجال أمام المبادرات المجتمعية، وضمان التشاركية التي تحشد جميع الطاقات السورية الخلاقة والمبدعة.
  • مكافحة بُنى الفساد الموروثة من المنظومة السابقة، وتحييد الفاسدين وكف أيديهم عن المال العام السوري.
  • التمكين الفعلي لقطاع الأعمال عبر التشريعات والقوانين، وليس عبر العلاقات والمحسوبية.
  • الرقابة على توزيع الموارد، وإرساء معايير الشفافية والنزاهة.

ما هي الفرص وأين تكمن؟

كثيرة هي الدراسات والتقارير التي وصفت حجم الدمار والتخريب الذي أصاب البنية السورية اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا، ولعبت العقوبات المفروضة على سورية دورًا سلبيًا ساهم في ضياع الكثير من الفرص في جميع قطاعات الحياة السورية.

ولعل الحكومة السورية اليوم تستطيع رسم خارطة الفرص في كل قطاع أو مجال من مجالات العمل. ومن هذه الفرص، وحسب القطاعات، على سبيل الذكر لا الحصر:

في القطاع المالي والمصرفي:

  • استعادة القدرة على التواصل المالي والمصرفي مع النظام المالي العالمي.
  • استعادة إمكانية استلام الحوالات الخارجية، وهي مصدر رئيسي للعملة الأجنبية.
  • إمكانية جذب الاستثمارات الخارجية، والتحويلات المباشرة من السوريين في الخارج.

في قطاع النفط والطاقة:

  • إمكانية تصدير النفط السوري رسميًا، واستعادة العائدات، وذلك بعد استعادة إدارة واستثمار مصادر الطاقة.
  • إمكانية استيراد معدات متقدمة لتطوير البنية التحتية للطاقة.
  • توفير الوقود وانعكاسه على الزراعة والصناعة والنقل.

في القطاع الصناعي:

  • توفّر إمكانية تحديث خطوط الإنتاج وشراء آلات ومعدات حديثة.
  • توفّر إمكانية استيراد مواد أولية بكلفة أقل وبجودة عالية.
  • توفّر إمكانية فتح أسواق تصدير جديدة للمنتجات السورية.
  • عودة تشغيل دورة الإنتاج الفعلي في الصناعة.

في القطاع الزراعي:

  • توفير مدخلات عملية الزراعة، وبالتالي زيادة الإنتاج الزراعي وتحقيق الأمن الغذائي.
  • إمكانية استعادة فتح أسواق تصدير للمنتجات الزراعية السورية، كالزيتون والحمضيات والقطن.
  • إمكانية تحسين دخل العمال الزراعيين والمزارعين، مما ينعكس على الدخل الريفي ويقلل الهجرة من الأرياف.

في قطاع الصحة:

  • إمكانية تزويد المشافي والمراكز الصحية بالتقنيات الحديثة اللازمة.
  • تمكين القطاع الصحي من تقديم برامج الرعاية الصحية الوطنية.
  • إمكانية تحسين الصناعات الدوائية وتطويرها.
  • جذب الخبرات والكفاءات الطبية المهاجرة.
  • تحسين جودة الخدمات الطبية والصحية.

في قطاع النقل:

  • إعادة تفعيل نقاط التواصل الجوي مع العالم عبر خطوط النقل الجوية.
  • تفعيل حركة النقل البحري وتطوير خدمات النقل البحري.
  • إمكانية إعادة بناء البنية التحتية لقطاع النقل من طرق وجسور وموانئ ومطارات.

في قطاع الاتصالات وتقانة المعلومات:

  • تأهيل البنية التقنية والمعلوماتية.
  • دعم التحول الرقمي ودمجه في قطاع الخدمات الحكومية، لينعكس بشكل مباشر على جودة حياة المواطن.
  • تحسين جودة خدمة الاتصالات بما يحقق رضا العملاء والمستخدمين.

في قطاع السياحة:

  • استعادة فرص تنشيط السياحة الطبيعية والتاريخية والثقافية.
  • إمكانية ابتكار استراتيجية سياحية متكاملة، وإعادة صياغة الهوية السياحية لسورية.
  • إعادة تأهيل البُنى السياحية المدمّرة.

في المجال الاجتماعي وسبل العيش:

  • إمكانية تخفيف الضغوط المعيشية عبر تحسين دخل الأفراد وانخفاض أسعار السلع الأساسية والخدمات.
  • عودة الرساميل البشرية المهاجرة، ومعها أفكارها وابتكاراتها ومشاريعها.
  • فرص تدريبية وتعليمية ترتكز على التقنيات الرقمية الحديثة بعد عقود من العزلة.
  • فرص العمل التي ستخلقها مشاريع إعادة الإعمار.

ما هي التحديات؟

كثيرة هي التحديات كما هي الفرص كثيرة، وهي موجودة في كل القطاعات، ولكن التحدي الجوهري والكبير هو التحدي الإداري، والذي يتمثل بالعقلية التي ستتعامل مع هذه التحديات والفرص.

يقف أعضاء الحكومة اليوم أمام المرآة، ولم يعد ظل العقوبات يحجب عنهم رؤية الفرص، ولم يعد يمنع عنهم إدراك التحديات. وأعتقد أنهم بحاجة لابتكار حلول إبداعية غير تقليدية، ووفق الواقع الفعلي، وإطلاق كل الطاقات السورية الممكنة، بمنظور الكفاءة والفاعلية، لكي يحصلوا على نتائج جديدة تلبي طموحات السوريين الذين صبروا وصابروا.

وفي الختام، يمكننا القول إن عملية رفع العقوبات فرصة، لكنها ليست عصا موسى التي تجترح المعجزات. والرهان لا يتوقف على تدفّق الأموال إلى سورية، بقدر ما يتوقف على كيفية إدارة هذه الأموال لتكون لصالح الشعب وليس على حسابه. كما أن عملية رفع العقوبات لا تعني تحسنًا فوريًا في جميع القطاعات، وهي تتطلب الكثير من الجهود والإصلاحات الداخلية، وعلى رأسها مكافحة الفساد والاحتكار، والحرص على العدالة في توزيع العائدات، وذلك من أجل الاستفادة القصوى من هذه الفرصة.

شارك

مقالات ذات صلة