مدونات

هل تجري سفننا بما تشتهيه إسرائيل؟

مايو 22, 2025

هل تجري سفننا بما تشتهيه إسرائيل؟

للكاتبة: شيماء يونس

  

كان الصهاينة قد طفقوا بالفعل يبنون دولتهم المزعومة منذ ما قبل الثمانية والأربعين، بجميع الطرق الدامية التي كانت تؤدي إلى إحياء مظاهر الإبادة الجماعية في فلسطين، وفي الوقت ذاته، كانوا يروّجون للصهيونية في البلدان التي أتوا منها، إلى أن بات الأمر عاديًا جدًا، وذلك لأسباب عديدة.

وبغض النظر عن عشق إسرائيل المجنون للعنف والدم (الفلسطيني خاصة، والعربي عامة)، فإنها أيضًا تعشق رؤية العرب أمامها يتشاجرون ويتآكلون، وهذا ما لاحظناه خلال حرب الإبادة المستمرة، والجدال الذي ليس له نهاية بشأن حزب الله والحوثيين…

ولتوضيح الأمور، لستُ مدافعةً عن الحزبين، لأنهما قد تورّطا بشكل مباشر في قتل الأبرياء في سوريا واليمن، ولا أخالفهما أشدّ الخلاف لفرحة العدو؛ لكن الهدف من كتابة مقالي هو انتقاد تفرقة العرب، وتوضيح ببساطة أن المشاجرة والمشاحنة هما ما تريد إسرائيل حدوثه في الشرق الأوسط لضمان سلامتها. (لنتذكر موقفها عند سقوط نظام الأسد وكونها عقبة كبيرة أمام طريق سوريا نحو الازدهار) ومعارضتها في هذه النقطة واجبة.


إن في قلب إسرائيل فرحةً لا توصف عندما يرون عربيًّا واحدًا فقط يقف معها في ردات فعلها تجاه الحزبين، أو حتى في عقليتها تجاه القضية الفلسطينية أو أي شيء آخر؛ إنها تشعر بأنكما قد تلتحمان في شيء معًا، وبالتالي فإن وجودها في الشرق الأوسط قد يخدمك أيضًا من نواحٍ عدة، أو على الأقل في أزمتك تلك مع حزب الله، فيولد التطبيع العقلي والصلة شيئًا فشيئًا.

على سبيل المثال، تصريح عثمان الخميس أن حماس جماعة منحرفة أدخل السعادة والسرور على قادة إسرائيليين، مما قد يقوي رغبتهم في “إنهاء حماس”، لأنهم قد لقوا جماعةً من الناس في المنطقة توافقهم بالفعل على ما هم عليه منذ قرابة العامين.

تهوى إسرائيل الغباء والكسل العربيين وبشدة. ترى فينا أننا دائمًا ما نرى الأشياء من زواياها السلبية، ودائمًا ما نتعارك على مواقع التواصل الاجتماعي، ونشتم أجداد بعضنا البعض، ونلمز بعضنا البعض بالألقاب، ونظن أنه لا يوجد شيء بإمكاننا فعله إلا الشجب حفاظًا على ماء الوجه؛ البعض منا، للأسف، لا يقدر حتى على مقاطعة مشروب غازي، لأنهم يعتقدون أنها ليست إلا فكرة حمقاء ولا تمتّ لإسرائيل بأي صلة؛ وهذا هو الكسل بعينه، ما يؤدي إلى إدراك أزمة أكبر في المجتمع العربي، ألا وهي منطقة الراحة.


من خصائص هذه المنطقة أنها تجعلك تعتقد أنّك أحقر من حشرة، وتحبسك حدّ الاختناق في مكان صغير جدًا؛ ومن شأنه أن يخلق لديك شعورًا بأن هنالك فعليًا حدودًا مرسومة وملموسة تبعد عنك ربما بضع سنتيمترات، فتحاول الابتعاد عنها قدر المستطاع (حد الانكماش الذاتي) لتجنب المشاكل.

فمنطقة الراحة هي الخوف، ونتيجتها الكسل، وقد رسمتها لنا إسرائيل منذ زمن. نحن نظن أننا لا نستطيع مقاومتها لأنها أقوى وأكثر تقدمًا بكثير، وضع بقية الأعذار، وهذا لا يؤدي في نهاية المطاف إلا إلى ترسيخ عقلية ضعيفة المنطق، حقيرة المبدأ.

ولسوء الحظ، هذه قضية تحتاج إلى من يحرر نفسه أولًا ليحررها، وتحرير الذات بعينه ليس يسيرًا.

ربما أنه من غير المنطقي بالنسبة لكثيرين وضع الجانبين (العرب وإسرائيل) في سياق مقارنة تختلف فيها القوى والفئة، لكن بالنسبة لإسرائيل، فإن جيشها يضم عددًا كبيرًا من اليهود، وحتى غير اليهود من جميع أنحاء العالم (إلى جانب الإسرائيليين طبعًا): أوكرانيون، فرنسيون، أمريكيون، بريطانيون، وغيرهم… جنسيات كثيرة… وحتى ديانات ومذاهب مختلفة!

وجوهر الكلام أنه قد تكون هناك اختلافات عميقة بينهم حدّ الصراع، وقد يكره بعضهم بعضًا بالسر، لكنهم يؤمنون بما يؤمنون به، الأمر الذي جعلهم يرمون كل اختلاف وسوء تفاهم وراء ظهورهم، وهذا ما وحّدهم في نهاية المطاف.

لكن الأمور تختلف فينا كمجتمع؛ حيث كلٌّ منا لديه عقيدته الخاصة بشأن غزة، وكلٌّ منا أصبح يتحدث مع حائطه الخاص عن رأيه الغريب، ولم نتحد حتى على الرأي إن لم يكن بالسلاح…

ألا بإمكاننا أن ندرك العيوب والتفاوت العميقين، ليس فقط عسكريًا بين إسرائيل وحماس، ولكن أيضًا فكريًا بين المجتمعات والمعتقدات؟

كانت الحروب الإسرائيلية العربية مثالًا واضحًا على الكراهية الشديدة التي كانت إسرائيل تُخفيها (ولا تزال) في جعبتها تجاه العرب، حتى لو لم تُبدِ ذلك علنيًا (وقد أبدته أصلًا)، فإن كراهية العرب هي جوهر الحركة الصهيونية، والدليل تصريحات وزراء الاحتلال الحالية، إن لم نرد الرجوع إلى التاريخ.

علينا أيضًا أن نسأل أنفسنا: لماذا بدأت إسرائيل بالعنف مع جيرانها في سنواتها الأولى، بمشاركتها مع فرنسا وبريطانيا في أزمة السويس؟ بينما لم يكن عليها سوى أن تصمت؛ ربما كانوا سيحبونها جيرانها لصمتها وأدبها فقط، لو كانت حقًا ديمقراطية وجُلبت من أجل السلام المزعوم.

فبقدر ما تُحب إسرائيل الدم الفلسطيني وتتفنن في سفكه، فإنها أيضًا تكنّ شهوة غريبة لمشاهدة العالم العربي كله يتحارب، وهي المستفيد الأكبر منه، بينما يدفع الفلسطينيون خاصةً الجزء الأشد “بهاظةً” منه.

شارك

مقالات ذات صلة