مدونات

ما الذي يُضمره “أبو إيفانكا” لسوريا وقيادتها؟

مايو 20, 2025

ما الذي يُضمره “أبو إيفانكا” لسوريا وقيادتها؟

للكاتب: عادل العوفي

 

من الإجحاف أن نستكثر على الشعب السوري فرحته بقرار رفع العقوبات الاقتصادية عن البلد المنهك الجريح؛ وهو أكثر من اكتوى بنيران تلك الخطوة الظالمة، التي حولت حياته إلى جحيم لا يُطاق، وهو المحكوم حينها بعصابة أتت على الأخضر واليابس من مقدرات الوطن، وحولته إلى مزرعة خاصة لها ولأتباعها من المتملقين والمنافقين.

شخصيًا، ومنذ صرخة درعا الأولى، ظلّ وما زال وسيبقى همّي الوحيد هو الشعب السوري، وتحمّلت الكثير جراء اصطفافي في خندقه على الصعيد المهني، وليس المجال مسموحًا بسرد التفاصيل والمزيد؛ لكن ما أرمي إليه أن لي كل الحق فيما سأذكره في الأسطر التالية، وزادي الكم الهائل من الحوارات والمواد الصحفية التي يمكن البحث عنها بمنتهى السهولة عبر محركات البحث، والتي وثقتُ من خلالها للثورة السورية وأبطالها.


وراء الأكمة ما وراءها:
إذن دعونا نتعمق في صلب الخطوة دون مقدمات، ونتساءل: منذ متى جاءنا الخير على يد أمريكا؟ والمثير للسخرية أن ما نعاينه اليوم تحديدًا يقوده تاجر العقارات الذي لا يكلّ ولا يملّ من نهب كل ما يُلهب حواسه في أي بقعة كانت على وجه الكرة الأرضية؛ فهل علينا أن نثق في “أبو إيفانكا” الذي يُغيّر كلامه كما يُغيّر بِدَلاته، وهو المخبول بصفقاته الحالية في الخليج العربي، ومن المنطقي أن يتحلّى ببعض المرونة أمام قادته قبل أن ينقلب كعادته ويُكشّر عن أنيابه حين تطأ قدماه البيت الأبيض؟

قطعًا “مغانم” القيادة السورية كبيرة وراء هذا اللقاء الذي يُعدّ الأول مع رئيس سوري منذ 25 عامًا، ودام لثلاثة وثلاثين دقيقة؛ وهنا لا بد من استحضار حالة الارتباك الشديدة التي عمّت، على سبيل المثال، لقاء أحمد الشرع مع الفرنسي إيمانويل ماكرون، حيث يمكن الملاحظة بمنتهى السهولة “تجاهل” الإليزيه وساكنيه نشر الصور على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي مع ضيفهم، أسوةً بالتقاليد المتبعة مع باقي الرؤساء الذين يتم استقبالهم؛ في خطوة مشبوهة تكشف التردد الذي استبدّ بماكرون قبل اتخاذ خطوة استقبال الرئيس السوري.

المؤكد اليوم أن المعايير ستختلف أمام باقي المترددين بعد صور ترامب في السعودية؛ وهذه خطوة ستعزّز حضور القيادة السورية، وتفتح أمامها أبوابًا ظلت موصدة بحكم “الشك والريبة” من الاتهامات المعلّبة المعروفة سلفًا.

لكن السؤال العريض: ما هو الثمن الحقيقي الذي طلبه أو سيطلبه الرئيس الأمريكي من سوريا وقيادتها؟ وهل كل من نشر خلال الساعات القليلة الماضية تسريبات لجسّ النبض أم مجرد مبالغات؟


المتغطي بالأمريكان عريان:
لعلّ العبارة اليتيمة التي خلّفها المخلوع حسني مبارك وتختصر علاقته “بالماما أمريكا” وتكشف بجلاء خيبة أمله الشديدة بعد أن اتُّخذ قرار التضحية به وأن صلاحيته قد انتهت، بعد سلسلة من العنتريات أشهرها صراخه في وجه ياسر عرفات مرددًا: “وقّع يا ابن الكلب”، حين كان يعتبر نفسه خادمًا مخلصًا لرابين وبيريز، ليحصد لاحقًا مكافأة نهاية الخدمة التي تليق بأمثاله.

هذه الجملة ينبغي عدم تجاهلها كلما تعلّق الأمر “بحنان أمريكي” مباغت، على غرار انجراف البعض وراء الخطوة الحالية وصياغة قصائد تُبجّل خصال وأخلاق سيّد البيت الأبيض الحالي، دون أدنى تفكير في الخلفيات والثمار التي جناها أو سيجنيها، وكلنا يعي جيدًا أن الرجل حذف من قاموسه كلمة “بالمجان”، وهو الذي يحكم بعقلية السمسار والتاجر، ومن شبّ على شيء شاب عليه.

ما يهمنا هو التعامل بحذر شديد مع التطورات الأخيرة، لأن الفصول الحاسمة لم تُكتب بعد، والأيام القادمة كفيلة بالتوضيح، وأيضًا إماطة اللثام عن الأسرار التي تحتفظ بها الغرف المغلقة في الرياض، السعودية.


ماذا عن الكيان الصهيوني؟
من السذاجة بما كان إعطاء أهمية قصوى للتسريبات الإعلامية المتناسلة عن “الفجوة العميقة” بين الإدارة الأمريكية ورئيس وزراء الكيان الصهيوني، لأن التجارب علمتنا أنها مجرد مسرحيات فاشلة لصرف الأنظار عما يحدث على أرض الواقع؛ ومن هذا المنطلق لا بدّ وأن يكون الكيان اللقيط كلمة السر التي يحتفظ بها ترامب، وسيسعى جاهدًا لوضعها في أبهى حلّة خلال الاتفاق الجديد، سواء بإشهار التطبيع كما ظلّ يردد ليل نهار، وأيضًا الأراضي التي يحتلها، ومسلسل عربدته الذي لا يتوقف.

وهنا، كل الأنظار ستتجه نحو أحمد الشرع وحكومته، المطالبين أكثر من أي وقت مضى بموقف حاسم وحازم، ولو أن المؤشرات لا تُبشّر بخير، استنادًا إلى كثرة التسريبات الأخيرة، وأيضًا للمرونة الأمريكية فيما يخص إلغاء العقوبات.

وهنا نهمس في أذن من يبدو متحمسًا للخطوة أو من يعتبرها انتقامًا للماضي وسرديات النظام البائد: أولًا، العصابة الأسدية كانت تتاجر بالقضية الفلسطينية، وكل الدلائل أثبتت تورطها وفضحت زيف ادعاءاتها، لذلك لا ينبغي خلط الحابل بالنابل على الإطلاق. ثانيًا، ماذا استفادت الدول العربية المُطبّعة مع الكيان حتى ينال سوريا من “الحب نصيب”؟


ختامًا؛ فرحة الشعب السوري امتدت لتشمل كل الوطن العربي، من المحيط إلى الخليج، وهذه نقطة فاصلة ليست محل نقاش؛ لكن الحذر كل الحذر مما يُطبخ في الكواليس، والثمن الحقيقي المراد دفعه، ورهاننا كبير على وعي وانتماء السوريين، وأنهم قادرون على تجاوز المطبات لبناء وطنهم وإعادته لمكانته التي يستحقها… رجاءً، لا تخذلونا.

 

شارك

مقالات ذات صلة