مدونات

الحكاية بدأت من اسم!

مايو 14, 2025

الحكاية بدأت من اسم!

رغد مشتهى


حين صرخ الأب: “أين متيم؟”، أتى صاروخ فتاك ليغيّر مجرى الحياة لعائلة ما في لحظة واحدة. خيّم السكون للحظات. كنت بخير، لكن سرعان ما بدأ قلبي يخفق بشدة في صدري، وأنا أتحقق من أفراد أسرتي لأطمئن على سلامتهم.

اجتاحتني حالة من الهلع، وبدأت رائحة الموت تتناثر في الجو، تلك الرائحة التي لن تفارق ذاكرتي أبدًا. ركضت نحو نافذتي، عيني تبحث عن أي شيء يمكنه أن يعطيني إجابة. كان القصف قريبًا جدًا، وضباب كثيف يغطي آخر الشارع، وكأن الحياة كلها أصبحت مشوّهة بهذا الغبار.

بين الأنقاض، كان هناك رجل مُغبرّ يركض وسط الخراب، يبدو أنه نجا من الموت. لحظة… تسارعت نبضات قلبي، نظرت أكثر عبر النافذة، وكأنني أرى مشهدًا من شريط ذكريات مؤلمة. شعرت بذكريات عام 2024 تعود إليّ، وكأنها تمطر عليّ من جديد. كان عامًا مليئًا بالقسوة، تلاشى فيه الأمل تدريجيًا مع كل لحظة تمر، لكن لم يتلاشَ الألم.


في كل زاوية كان هناك حزن جديد، وكل لحظة كانت تأخذني أعمق في دوامة الصدمة. الحياة فانية، والموت محتوم، ولكن يبقى فينا ذلك الخوف الأبدي من الفراق، ذلك الشعور الذي لا نعرف كيف نواجهه. في تلك اللحظة، تلاشت أصوات العالم من حولي، وصار صوته هو كل ما يمكنني سماعه.

صوته العميق الممزوج بالدموع كان يشقّ صمت الفضاء، يصرخ بين الركام: “أين متيم؟” كان صوته يملؤه الانكسار والألم، كما لو كان يطلب إجابة من جدران البيت المحطمة التي لم تحمِ طفله. وحين ردد اسم “متيم! متيييم!”، كان يملؤه الفقد والحزن.

فقد الأب ابنه متيم وابنته حلا، الأحب إلى قلبه. تركوا نار الفراق تكويهم بحرقة الذكريات. كل شيء تغيّر واختفى في لحظة كابوسية. كيف لعقل أن يستوعب ما جرى في دقائق قليلة، كأنها لحظات موت تقبض الأنفاس؟ ومع كل كلمة كان يرددها: “إلى هنا… انتهى أجله.”

كان قلبه يصرخ في صمت، دموعه تتسارع، وعقله يكاد لا يصدق ما يجري حوله. كم هو قاسٍ أن ترى قلبك يُدفن وأنت حي، وأن تكون شاهدًا على موت جزء منك. ثم عاد إلى الواقع، إلى تلك اللحظة التي لا يمكن أن تُمحى من ذاكرته.


شعرت بكل كلمة وكأنها خارجة من قلبه المكسور. في تلك اللحظة، رأيت جزءًا مني يذوب. كانت تلك اللحظة مليئةً بالألم، والإيمان، والصمت الذي يسكن القلوب. رغم الوجع، تردّد بين شفتيه: “الحمد لله”. لم تكن مجرد كلمات، بل كانت تعبيرًا عن إيمان متجدّد رغم كل ما يمر به.

كانت روحه تتشبث بالإيمان، رغم المأساة التي حوله. كانت كلماته أملًا وسط الحزن. كل شيء في غزة صار هشًا… حتى اللحظات. لا نملك رفاهية الوقت لنلتقط أنفاسنا، فكل ثانية قد تُولد فيها مأساة جديدة، أو يختطف فيها القدر منّا أحبّتنا.

نعيش على وقع الانتظار الدائم… انتظار صوت الانفجار، انتظار الاسم الذي سيُذاع بعد القصف، انتظار جملة “الحمد لله، نحن بخير” من أحبّة فارقناهم لحظيًا. لم تكن تلك المأساة حدثًا عابرًا، بل كانت زلزالًا داخليًا، حرّك ما بداخلي من صمتٍ ثقيل.


تساءلت: كم من متيم آخر سيُفقد دون وداع؟ كم من أب سيصرخ اسم فلذة كبده بين الحجارة؟ من سيواسي هؤلاء حين يخيّم الليل على منازلهم الخاوية؟

رأيت أمًا تجلس فوق ركام منزلها، تضم بيدها دميةً مهترئة. عيناها لا تدمعان، كأن الدموع خانتها، لكنها كانت تبكي بصمتٍ أبكم لا تراه إلا الأرواح المكلومة. رأيت شابًا يجرّ قدميه باحثًا عن أخيه الصغير، كلما لمح شظية قماش، ركض كأنها دليل حي.

الموت في غزة لا يأتي فجأة فقط، بل يأتي على مهل أيضًا، كأنّه يُمهّد ليأخذ منّا أكثر ممّا نحتمل. لكنه لا يأخذ الإيمان. لا يأخذ صبر الأمهات، ولا انحناءة الآباء، ولا نظرة الطفل التي رغم الألم، ما زالت تبحث عن حلم.


أكتب لأني لا أملك سلاحًا سوى الكلمات. أكتب كي لا تُمحى الذاكرة، كي لا يصير وجعنا مجرّد خبر عابر. أكتب عن متيم، عن حلا، عن صوت الأب الذي لم يُغادر أذني، عن رائحة الموت، عن حياة نحاول أن نعيشها رغم كل ما يُحاصرنا.

شكرًا يا 2025… لأنك منحتِني درسًا قاسيًا عن حقيقة هذه الحياة. لكن تأكدي أن غزة لا تركع. وأنّا كلّما ظنّ العالم أنّها انطفأت، اشتعلت من رمادها أكثر إشراقًا. لن أقول إنك هزمتني، بل سأقول إنك صقلتِ فيّ إيمانًا لا ينكسر، وإن الحكاية بدأت من هنا.

شارك

مقالات ذات صلة