للكاتبة: عفاف حسن عاشور
منذ بدء الحرب الإسرائيلية على غزة ولبنان، لم تتوقف شلالات الدماء. قصفٌ وقتلٌ وتدميرٌ مع تهجيرٍ قسريّ، وأيامٌ ثقيلة جدًا على الجميع، يتمنى أهلها لو لم تأتِ. فالمجازر في الظلمة هي الفن الإجرامي الذي تتقنه إسرائيل الجبانة!
كل ذلك وسط تبريرٍ إعلامي إسرائيلي بأنّ هذه الحرب ليست سوى ضربات محددة للمقاومة، فهي “بومة السلام” في الشرق الأوسط، ولا تريد إيذاء لبنان وشعبه. بينما في الواقع المرير، تراها بكل غطرسة وتعجرف تخترق سيادة لبنان من شماله إلى جنوبه بطائراتها العسكرية، فتقصف أينما ومتى ومن وكيفما تشاء، وهي تعلم يقينًا أنه ما من قوة عسكرية منافسة لها سترد على طغيانها!
شهداء لبنان يُذكرون على شاشات التلفاز والهواتف عبر شرائط لا تتجاوز الدقائق أو حتى الثواني، بينما يعيش أهالي الشهداء من بعدها آلام الفراق الأبديّة. لم يكن ذلك ليحدث عفويًا، ولم يكن ليصبح الدم اللبناني كما الفلسطيني رخيصًا (مع الأسف) هكذا، لولا أن إعلام العدو قد غسل أدمغة العالم بأنّ هذا المشهد هو العادي والمبرر والمألوف، فهذه هي حياة اللبناني والفلسطيني: دماءٌ وآلامٌ وأحزان.
لقد فرّقت إسرائيل بين وحدة الشعوب العربية فَسَادَت في بلادنا وحققت أهدافها، أغرقتنا بقوميات ووطنيات أتت نتيجة تقسيمات حدودية رسموها لنا بأيديهم المجرمة. فضلًا عن أنّها أشعلت الخلافات الطائفية وألبست المقاومة اللبنانية العظيمة أحادية الانتماء، علمًا أنها تتخطى الانتماء الطائفي والسياسي، فهي مقاومة شعب لعدو، وليست مقاومة حزب معيّن فقط.
في الحقيقة، إنّ الأصعب من هذا الوضع العربي العامّ المنقسم والمشتت كلّه، أنّ الوضع اللبناني نفسه بشكل خاصّ صعب جدًا، وتكاد تكون هذه الفترة الأصعب في تاريخ لبنان، فهو يعاني في العقد الأخير من الزمن من ضربات وأزمات متتالية لم تترك له المجال لالتقاط أنفاسه والوقوف على قدميه من جديد.
خمس سنوات من أزمة اقتصادية خانقة، رافقها انهيار الليرة اللبنانية مقابل صعود قيمة الدولار، وندرة فرص العمل، وقلة المعاشات، وسوء الضمانات الصحية والاجتماعية، وتدهور الوضع التعليمي، إضافةً إلى الأزمات البيئية وآلاف المشكلات الأخرى. ثمّ جاء خبر الحرب الإسرائيلية على البلد كالصاعقة، فلبنان يصارع نفسه أساسًا للبقاء!
إسرائيل، التي تعلم بكل هذه الأوضاع، لم تكن لتفوّت الفرصة لاستغلال هذا الضعف الشديد لتنفيذ مخططها التوسعي، من خلال بناء مستوطنات جديدة على الأراضي اللبنانية واحتلال ما يحلو لها من أرضنا، التي لن تكون إلا مقبرة لهم كما كانت دائمًا…
لكنّ الشعب اللبناني العنيد قد فاجأ إسرائيل وكل شعوب العالم بصموده وثباته وتمسكه بأرضه، فقرر المقاومة حتى في الضعف، لتكون تلك هي القوة بعينها. رفض الذلّ الذي لم يقبله يومًا ولم يُساوم، رغم أنهم قايضوه في لقمة عيشه.
بيروت، عاصمة الصمود والمقاومة، بيروت عاصمتنا الأجمل، لطالما اختلط على أرضها دماء شهداء لبنانيين مع فلسطينيين، قاوموا بأجسادهم وأقلامهم وأدمغتهم وأسلحتهم محتلًا بربريًا هزموه دهراً.
المجد للمقاومة من غزة إلى لبنان، المجد للشهداء والجرحى والأسرى والمبعدين قسرًا، المجد لكل من قال “لا” لإسرائيل… بيروت ستبقى، غزة ستبقى… أمّا إسرائيل فستُهزم، وستكون عبرةً لكل من يحاول العبث في بلادنا.