سياسة
الناظر للواقع الحزبي الفلسطيني بمهنية وتجرد من التبعية والهوى الحزبي، بهدف الإصلاح ووضع النقاط على الحروف، يدرك حجم الأزمة العميقة التي تعصف بالأحزاب الفلسطينية بمختلف توجهاتها. فقد بات واضحاً أن المشهد لا يعكس فقط خلافات في الأسماء أو القيادات، أو حتى صراعات الأجيال وتعاقبها، بل تجاوز ذلك ليكشف عن أزمة هيكلية تمتد إلى عمق البنية التنظيمية وآليات العمل والسياسات المتبعة. ووفقاً للعلوم الإدارية الحديثة وما يتصل بها من مفاهيم تنمية مستدامة لرأس المال البشري، فإن هذه الأزمة تتجلى في الفجوات الكبيرة بين القيادات والقواعد، والجمود في التسلسل الهرمي لإدارة الكيان الحزبي، إلى جانب التباين في الفكر داخل التنظيم الواحد وضعف القدرة على التجديد ومواكبة التحديات المعاصرة. كما أن معظم الفصائل باتت تعاني من ركود فكري وانغلاق أفقها السياسي، ما يعمق من أزمتها التنظيمية، ويفقدها القدرة على تمثيل تطلعات الشارع الفلسطيني وقيادة مشروع وطني موحد.
في ظل هذا الواقع المتأزم، تبرز الحاجة الملحة لإعادة النظر في الأسس التنظيمية والفكرية لهذه الأحزاب، وإعادة هيكلة هياكلها التنظيمية بما يواكب متطلبات المرحلة وتعقيداتها. إن تحقيق ذلك يستوجب إحداث ثورة إصلاحية شاملة تُعزز من قدرتها على التجديد الفكري والتفاعل الديناميكي مع المتغيرات، لتتمكن من استعادة ثقة الجماهير والاضطلاع بدورها الوطني بفاعلية أكبر. ولهذا، يتضح أن البناء التنظيمي يمثل الحلقة الأضعف في المشهد الحزبي الفلسطيني، مما يستدعي تدخلاً عاجلاً للحد من تفشي التكلس التنظيمي الذي تعاني منه الأحزاب. ويتجلى هذا التكلس في الجمود الهيكلي والاعتماد المفرط على مركزية القرار، إضافة إلى غياب آليات فعالة لتجديد القيادات. ويعود ذلك بشكل أساسي إلى الافتقار للشفافية والنزاهة في تطبيق مبادئ الديمقراطية الداخلية لاختيار القيادات، وفقاً لما تؤكده العلوم الإدارية الحديثة في هذا المجال، مما يعمق الانقسامات الداخلية ويضعف الشرعية التنظيمية، ويعوق فاعلية الأحزاب وقدرتها على التكيف مع المتغيرات والتحديات الراهنة.
كما يتجلى في المشهد الحزبي الفلسطيني طغيان العشوائية واتباع النهج الكلاسيكي القديم في رسم السياسات الحزبية، إلى جانب غياب إجراءات وآليات عمل فعالة. ويعود ذلك بشكل أساسي إلى انعدام تجدد الرؤية الاستراتيجية؛ حيث تفتقر معظم الأحزاب إلى رؤى استراتيجية متجددة وواضحة تتوافق مع المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية. ووفقاً لمفاهيم الإدارة الاستراتيجية الحديثة، فإن غياب هذه الرؤية يؤدي إلى تقادم السياسات وجمود الفكر التنظيمي. ومن أسوأ ما يمكن ملاحظته في المشهد الحزبي الفلسطيني أن بعض التنظيمات لا تزال تعيش على شعارات الماضي، غير قادرة على مواكبة المتغيرات أو استيعاب تطلعات الأجيال الجديدة. ما أدى إلى قطع جسور التواصل مع الجمهور، وإهمال دورها في التحشيد والتنظير والتأطير. ونتيجة لذلك، تفاقمت الفجوة بينها وبين الأجيال الشابة، مما أضعف قدرتها على الاستمرار والتأثير في الساحة السياسية.
ووصل الامر إلى اندثار وزوال بعض الأحزاب من المجتمع الفلسطيني، في مشهد يعكس حجم الأزمة والقصور الهيكلي. وفي هذا السياق لا يمكن تجاهل تبني بعض الحركات لأجندات خارجية بات أمراً معيباً ومثيراً للقلق. بحيث أصبحت تلك الأحزاب رهينة لإملاءات الممولين، ما أدى إلى ارتهان قراراتها السياسية وتوجهاتها الاستراتيجية لخدمة مصالح خارجية، بعيداً عن المصلحة الوطنية. هذا الواقع لا يهدد استقلالية هذه الأحزاب فحسب، بل يقوّض شرعيتها ويعمّق أزمة الثقة بينها وبين الشارع الفلسطيني.
في هذا الصدد، يتضح أننا نعيش في ظل مشهد حزبي فلسطيني يتسم بالتشرذم والتفكك، حيث تبدو الساحة السياسية وكأنها مجرد بسطات ودكاكين حزبية، لم ترقَ بعد إلى مستوى مؤسسات سياسية ناضجة أو كيانات تنظيمية راسخة. فهذا هو ملخص الواقع الحزبي الفلسطيني، القائم على تقاسم الكعكة السياسية وحفنة من الأموال، وسط تسابق محموم نحو المحافظة على الكراسي، وكيل الاتهامات المتبادلة، وتأجيج الانقسام بدلاً من العمل على رأب الصدع الوطني.
ومع هذا الواقع المتردي، ما تحتاجه الحالة الفلسطينية اليوم هو تغيير في المفاهيم الناظمة للعمل الحزبي والفصائلي، بحيث لا يبقى الالتزام بالثوابت الوطنية مجرد عنوان، بل يتحول إلى سياسات ملموسة تُبنى على رؤية حديثة تستجيب للتحديات الراهنة. لذلك يبقى الأمل قائماً في إمكانية الإصلاح، شريطة توافر إرادة سياسية حقيقية وشجاعة لمواجهة الأزمة بجرأة وشفافية، وفقاً لقواعد المرونة الاستراتيجية. كما أن تحقيق هذا الإصلاح يتطلب إعادة هيكلة التنظيمات على أسس أكثر ديمقراطية، وتداول حقيقي للسلطة وآليات واضحة للمحاسبة والمساءلة. وتتبنى نماذج تنظيمية أكثر مرونة تتناسب مع متطلبات العمل السياسي الحديث، ومشاركة مجتمعية واسعة لإعادة بناء جسور الثقة بين الأحزاب والجمهور، وبلورة مشروع وطني موحد يعكس تطلعات الشعب الفلسطيني وآماله في الحرية والكرامة. وبدون ذلك سنظل ندور في نفس المشهد السياسي المتكرر، حيث يبقى التغيير شكليًا والجمود هو العنوان الأبرز.