آراء
رمضان آخر يمضي، ويطوي مسلمو العالم شهرا جديدا من أشهر الصوم، اصطفت الحشود وتراصت لأداء صلاة عيد الفطر، وتلك صلاة لأمة اختزلت أعيادها وقزمت بهجتها وضاقت سبل فرحها، حتى أصبح فطرها غصة تسبق عبارة كل عام ونحن بخير أو لعلنا نكون بخير!
ارتفعت الأيدي بالدعاء والابتهال، بانتظار أشهر جديدة تودع أخرى متخمة بالمآسي والويلات، ولسان حالنا ماذا بقي من أعيادنا؟ ماذا بقي منا؟ أعياد تستهلها الأمة بالانقسام والاختلاف على رؤية الهلال من عدمه، وصولا حد الاقتتال والتناحر على هذا وذاك، فيما عدونا قابض على أنفاسنا يحتفي بتركيعنا وترويعنا ويقيم أعياده على أشلائنا.
تزاحمت التهاني والتعازي معا، لا مسافات بين من يبارك وبين من يواسي، بخيلة هي ساعات الفرح، قليلة هي ضفائر الطفولة المتطايرة على أراجيح العيد وغزيرة هي دموع الأيتام على قبور الشهداء والأحبة، فضفاض هو الثوب الأسود فلم تعد الأعياد ملونة على أرصفة الغائبين، على أنقاض القهر تلقت غزة هدايا الفطر مغلفة بالأحزان وكذلك هو المشهد في لبنان وحزن آخر حط رحاله في اليمن والعراق وسوريا حيث لا متسع للأعياد في أوساط القلوب الجريحة والنفوس المنكوبة، ومن نأى بنفسه واحتفل بعيدا ساورته الشكوك وداهمه الترقب والتوجس من القادم والمنتظر.
لقد تغير العالم من حولنا، هناك نص جديد يتم تلقينه لنا وما علينا سوى إجادة الطاعة، الأمر اليوم لتل أبيب والسجود مفروض. لا مساحة للعرب على الخارطة المستحدثة، الوريث اللاشرعي هو إسرائيل، ومعه القبضة الأمريكية بكل توحشها وجبروتها.
يأتي عيد بعد عيد والأرض العربية أشبه بشيخ عجوز متهالك يفطر على دمه قطعان المستعمرين. العالم يستنكر ويدين ويصمت ويرسل برقيات المعايدة، وهكذا دواليك، ونحن نتلقى ونهادن نسلم ونستسلم. معادلة تسقط وجودنا وتاريخنا ومحافلنا وأعيادنا، فيما ينتصر من كان شتاتا ويحتفي بأسطورة خطها هرتزل وقادها بن غوريون فأصبحت واقعا يهيمن ويسيطر على العالم ولا عزاء لجماهيرنا المتفرجة.
يأتي العيد ونحن نهوي أكثر إلى قاع الضياع والذوبان في منظومة عهد جديد من الاستعمار، فلسطين تبحث عن عيدها الخجول بين تلال الدماء والدمار وسيل الدمع يسري إلى اودية لبنان وبلدان أخرى تنتظر وعيدها على قائمة الأضاحي.
أنت أيها العربي لم تعد تملك ترف الأعياد الهادئة والهانئة، ولا أن تكون عربيا حقيقيا أو مسلما حقيقيا، بل عليك أن تنتمي إلى طائفتك ومذهبك وإلى قبيلتك وزعيمك وجماعتك، عليك أن تصطف حيث أمرت أن تكون في خنادق التقاسم والتكاذب وإلا ستعاقب في سجن أو منفى، وعند كل مفترق تضيع البوصلة ونضيع في مسارنا ومصيرنا تماما كما حصل مؤخرا بعد طوفان الأقصى، إذ صمتت دولنا واختبأ الملايين منا في غياهب الصمت وجلسنا ننتظر النهاية وبعضنا لم ينتظر حتى بل راح يجدد معارك الأخوة الأعداء ، فوصل العيد وفينا المنخرطين بصراع عصي ومزمن وقادر على التطور والارتقاء منذ ألف وأربعمئة سنة من البغضاء.
ماذا بقي من أعيادنا ونحن مغيبون حد الإلغاء، لا هوية ولا لغة ولا حضارة، تقاليدنا وعاداتنا اختلفت وخفت واقتلعت أحيانا، نحن المعادين للأجنبي المبهورين به حد الوله والتقليد الأعمى، انبطحنا لكل جديد حد التنكر لأصلنا، فصغرنا بأعين عدونا، وانكسرنا وضعفنا وتهنا عن أنفسنا وأضعنا طريقنا إلى الغد.
سجنا داخل معادلات مستحيلة ونسج الآخرون معادلاتهم من خيوط دمنا ودموعنا، وعليه لم يبق من أعيادنا إلا فسحة أمل وآية قرآنية تذكرنا عند كل فجر أن لا تقنطوا من رحمة الله، وأنه لا بد لبلاد توضأت بدماء شهدائها أن تخيف عدوها ولو بعد حين وقد يعود العيد لسابق عهده، لسابق بهجته ولهوه وفرحه ينثر تبريكاته من القدس إلى طبريا وعبر نهر الأردن إلى الجولان ثم يحط على الفرات فيلاقي دجلة إلى شط العرب ويلتف على خصر الجزيرة مع الخليج عبر مضيق عمان قاصدا اليمن، وتسمع أهازيج الفطر في ليبيا باتجاه تونس والجزائر وحتى تكاد الصحراء تغدو حقلا من شقائق النعمان المغربية.
فلسطين تبقى مقدسة ولادة متوهجة لا تتوقف عن التعاظم مهما تفاقم السواد، تمنحنا مع كل صباح المزيد من ملامحها المضيئة بدم الشهادة طالما أن هناك من يستأنفون مسيرتهم المظفرة ويسيرون إلى الحلم المجبول بدمائهم، ستحضر فلسطين مهما فرحتم بغيابها فالحقيقة أكثر سطوعا من وهم الاحتلال والأرض المطرودة من الأرض باقية مكانها يجللها دم شهيد وكف فلاح ودمع امرأة، وما على كبار القوم سوى الاجتهاد وإصدار فتوى استهلال جديدة، نستهل بها طريقنا إلى الوحدة والتلاقي والمحبة، وذاك سلاحنا الأشد فتكا بأعدائنا مهما ارتقت صناعاتهم وأسلحتهم ، وحتى ذلك الحين كل عام وأنتم محاطون بخير ما تبقى من إرث أعيادنا!.