تأملات

الإذن بالفهم!

مارس 29, 2025

الإذن بالفهم!

في كلِّ أمرٍ يتعرض له الإنسان، يكون حاله بين إذنين ( إذن بالمعرفة) و (إذن بالفهم)، وهنالك أناس كثيرون لا يرتقون أصلاً إلى تنويرية (الإذن)، وذلك على حسب مشرب الإنسان ومسلكه ومدارك فهمه وفتحه

لقد أذن الله عز وجل لسيدنا إبراهيم في أن يُعرِّفه بأنه يحيي الموتى، لكنَّ سيّدنا إبراهيم لم يدرك كيفية الإحياء، هو عرف ذلك ولم يفهمه فطلب من الله عز وجلّ أن يفهم، فاستجاب له الله وأحضر الطيور وقطّعها على قمم الجمال وقد أعاد جمعها الله عز وجل وبعثها من جديد، لتتجلى هنا ماهية (الإذن بالفهم )

وهكذا كل تفاصيل حياتنا ودقائقنا نتقلب بين إذنين وهنالك من سُلِبَ الإذن منه أصلاً فلا عَرِفَ ولا فَهِمَ.


في السنة النبوية يقول رسولنا الكريم ﷺ: “إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا أولاهن بالتراب”، كل من استمع لهذا الحديث طبقه لأنّه (إذن بالمعرفة)، لكننا لنبلغَ مرتبة (الإذن بالفهم) احتجنا إلى مئات السنين ليكتشف العلماء مؤخراً أنَّ في لعاب الكلب ميكروبا لا يزول إلا بالتراب، لماذا كان هذا الاتساع الزمني بين الإذنين، لأنّ للإذن توقيتاً إلهياً ببساطة، الأمر ليس بمزاجي ومزاجك.

كان ينظر الكفار دائماً إلى سيّدي نوح وهو يصنع سفينة في وسط الصحراء على أنّه مجنون، إلّا أنَّ سيّدنا نوح في تلك اللحظة قد جمع بين إذنين هما (المعرفة والفهم) هو يعرف أنّه سيكون هنالك طوفان ويفهم أنّه لن ينجو إلا من ركب السفينة، في المقابل كان الكفار قد سلبهم الله عز وجل حالهم فليس معهم ( إذن بالمعرفة ولا إذن بالفهم )، لذلك كانوا يتخبطون في دناءتهم الفكرية وهم ينعتون سيدنا نوح بأبشع الألفاظ.

وإذا وقفتُ أمام غزّة فإننّي أخاف أن أتهوّر في أيِّ قراءة تحليلية لما يجري بنا من إبادة من قبل أناس هم من نسل امرأة يهودية سممت سيدنا رسول الله ﷺ ليقول وهو على فراش موته “يا عائشةُ ما أزالُ أجِدُ ألم الطعامِ الذي أَكَلْتُ بخيبرَ، فهذا أوانُ وجدتُّ انقطاعَ أَبْهَرِي مِنْ ذلِكَ السُّمِّ”

ولأنّ خصوصيّة فلسطين ورِبَاطها تمنعني أن أدخل في فتنة لا يحصد ثمارها سوى أولئك القتلة المفسدين، وأنا بنت هذه البلاد وقد شربت ماءها وأكلت من أطايبها وقد أحسنت لي كيف لا وهي هي، وإن كان يكفي أن يكون الذي يحيا فوق ترابها مرابطاً، فتلك خصوصيّة يهبها الله لمن يشاء ويختار من عباده.


أتعجب كيف أنّ أغلب المحللين لدمائنا المسكوبة منذ أكثر من عام ونصف هم أصلاً لا يعيشون في غزّة، وغالباً عاشوا جلّ حياتهم خارج فلسطين، وكيف أنّهم يتجرؤون بإدّعائهم أنّهم قد امتلكوا ( الإذن بالفهم ) لما يجري بنا من مقتلة عظيمة، وليس بحقّنا فقط، هنالك مدينتان تتعرضان الآن لأكبر عملية تهجير في الضفة الغربية لكنّهما لا تتصدران الإعلام (طولكرم ) و (جنين) وما أعلمه بأنّ الاحتلال لن يتوقف عندهما لأنّه لا أحد يريد أنْ يفهم أنَّ الاحتلال لا يريد شعبنا على الأرض، كلُّ فلسطيني هو تهديد للوجود الإسرائيلي، المهم أنّ أولئك الذين يتشدقون علينا بتحليلاتهم تمنيت لو سألتهم هل كنتم أعلم من سيّدنا موسى عليه السلام، إن كان سيدنا موسى كليم الله عز وجل لم يفهم الأحداث التي حدثت في رحلته مع سيدنا الخضر وحين رأى قتل الغلام ظنّها جريمة وإفساداً حتّى فهّمه سيّدنا الخضر حقيقة الأمر، لأنّ سيدنا الخضر عليه السلام كان متحققاً بمرتبة الإذن بالفهم، فهل قابلتم سيدنا الخضر وحصلتم منه على أذونات بفهم لماذا قتل الاحتلال حتى الآن أكثر من 50 ألف شهيد منهم أكثر من 20 ألف طفل أقل من عشر سنوات، وأي مبرر في العالم قد يحتاجه أحدهم ليبرر قتل هذا العدد الهائل من الأطفال؟ لذلك فأنا أجد أنّ الصمت أفضل من التفوّه بكلمات قد يفرح بها الاحتلال والمتحدث العسكري باسمه فيصفق لك في فيديو وهو يشكرك على أنّك تساعده في إيصال صوته.


وأنا لا أدّعي أنني أفهم شيئاً ممّا يحدث، لكننّي أعلم يقيناً أنّ الله عزوجلّ يضعنا في اختبار عظيم وليس بأقل من اختبار الأنبياء وهم يواجهون تكذيب أقوامهم وآل البيت وهم يحملون دماءهم على أكفهم ويصبرون وصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يخوضون بدر معه لا يملكون إلا قلباً معلقاً بالله، وما أيقنه تماماً أنني أدرك أنّ الاحتلال يدرك أنّه منتهٍ وهو يعرف ذلك من التوراة والقرآن معاً، لكنّ المفسد قدره الإفساد حتى آخر نَفَس، مثل فرعون وهو يُصرّ على قتل سيدنا موسى حتى آخر لحظة، ولا يعني أنّ الله يُمكّن للظالم يعني أنّه ينصره ولا يعني أنّ المظلوم حين يطول تعرضه للظلم وتستباح دماؤه يعني أنّه يخذله حاشاه ربي سبحانه وتعالى ولكنّها مواقيت وأذونات وسنن وترتيبات إلهية متقنة، وما من قطرة دم سالت إلا وأذن الله بها، وإنّ صراعنا مع الاحتلال هو صراع أزليّ حتى يأذن الله عز وجل بزواله تماماً.

منذ فترة رأيت مشهداً لطفل يمشي في إحدى أزقة طولكرم أطلق عليه أحد الجنود رصاصة فأصابته في صدره، سقط الطفل على الأرض كان يرتدي ملابس جميلة ولفتني حذاؤه الرياضيّ باللون الأبيض، حين سقط رفع قميصه عن صدره ليبحث عن موضع جرحه لأنّه علم أن الرصاصة اخترقته، وبدأ يصرخ ويقول ماما، حتى فارق الحياة، مقطع قصير أقل من دقيقة يحدث بشكل متكرر في الضفة الغربية، أتساءل لماذا أطلق عليه الجنديّ النار؟ طفل صغير ربّما كان ذاهباً ليشتري قطعة حلوى؟ وربّما ..

لكنّ الحقيقة واحدة، المقتول هو فلسطينيّ، والقاتل هو صهيونيّ.


نحن شعبٌ واحد وأرضنا واحدة وتاريخنا واحد وعدوّنا واحد، لا يمكن لأناس غدروا بالأنبياء أن يشعلوا الفتنة بيننا وأن نساعدهم في إشعالها ونحن نعلم أنّهم أعداءٌ لنا بنصّ القرآن والسنّة.

لذلك لا تُسلّم فهمك لأي إنسان، فكلٌّ يفهم الأمر من وجهة نظره، ووجهة نظر الإنسان مهما كان على درجة من العلم والدين والثقافة دائماً قاصرة، السلفي سيفهم الأمر من زاويته والأشعري كذلك والملحد والمؤمن والليبرالي والإسلامي وإلخ …

وأسأل الله عز وجل أن يبيّن لنا الحكمة من كل ما يحدث معنا، وأن يطمئن صدورنا بأنّ دماءنا لم تذهب هدراً وأنا لا أشك في هذا قيد أنملة، فكل قطرة دم سالت هي بميزان عند الله عز وجل وهي إيذان منه بأنّ انتقامه وبطشه شديد وسيكون في وقته، فهو القائل عز وجل “سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ” وصلى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وسلم.

شارك

مقالات ذات صلة