المصدر الأول لدخلِ العصابات والمافيات هي الإتاوة، فتُرسل العصابة أحد أفرادها إلى دُكان، أو مطعم، أو متجر، فيقول لصاحب المكان كالآتي:
أمامك خياران، إمّا أن تدفع لنا مبلغًا شهريا، وتبيعنا متى نشاء بلا مقابل، وتعطينا الصلاحية والشرعية المطلقة على المكان مقابل “الحماية” من عصابات أخرى، غالبًا ما تكون وهمية، أو فلتنتظر منّا التخريب والسطو اليومي على مكانك.
فيختارُ الذليل تسليم مكانه وقراره وشرعيته وسيادته مقابل حمايةٍ من المعتدي! ويختار العزيز المواجهة، ولو كلّفته ما كلّفته، لأن الاستسلام للعصابة خسارةٌ مباشرة أساسا. ونجدُ أنَّ صاحبَ المكان المستسلم يكره جاره الذي قرر المواجهة أكثر من كرهه للعصابة! فإنَّ الذُلَّ إن عمَّ يغدو طبيعيًا، ولا مصلحة لذليلٍ أن يلمعَ نجمُ عزيز.
وفي الوقت عينه تسعى العصابة وصاحب المكان الخانع إلى إظهار حريَّةٍ وهميَّةٍ للأخير أمام الجميع، كي يُقنع الباقين أنَّ خيار الخنوع فيه الأمان والسلام والرفاه، فها هو يغيِّرُ ديكور مكانه متى يشاء، وينوِّعُ في بضاعته كيفما يشاء، ليحفظ له هيبةً شكليةً أمام زبائنه، واستمراريةً مضمونةً أمام موظّفيه، وفي ذلك مصلحةٌ مشتركة، لضمان رضوخ المترددين، وديمومة تدفُّقِ الإتاوة عند أول كلِّ شهر!
ومع تعاقب الأجيال، يُوَرَّثُ الذلُّ والخضوع مع المُلكيَّة الموروثة، فتختفي شيئًا فشيئًا هوية المكان، ثمَّ يتبعها الخجلُ من تاريخٍ كان فيهِ صاحبُ المكانِ حُرَّا، ثمَّ يتبعها تزويرٌ ممنهجٌ للرواية، وتبريرٌ غبيٌّ للسردية، وصولًا إلى حكمٍ وهميٍّ بالوكالة، وخسارةٍ مطلقةٍ للشرعية، فتُصبحُ لحظة الانصياعِ لعنةً ممتدةً جيلًا بعد جيل، ويغدو الحاضر متاهةً من الإذلال، والمستقبل مفترقًا بين طريقِ التحرر المليء بالأشواك المؤلمة وطريقٍ مريحٍ عُبِّد بالخنوع التامِّ حتى في خيارٍ بسيطٍ كزرعِ فسيلة على قارعة ذاك الطريق.
هذا ما يحدثُ تمامًا في العلاقة المازوخية بين دول المنطقة وكيانِ الإتاوات، فقد خيَّر الجميعَ بين اثنتين:
إمّا تسليمُ القرار والمصير له مقابل حماية الكرسي،وإمّا الاعتداء والتخريب والانقلابات، وقد اختاروا صاغرين الإنصياع لخوفهم، وباعوا القرار والمصير والحاضر وحتى المستقبل، وأجمعوا على كرهِ من قرر المواجهة، بل ويسعون بالخفاء تارةً وعلانية تارةً أخرى على تركيعه لمن قد ركعوا لهُ، فقد عرّاهم رغم تفوقهم عليه نظريًّا.
ما غاب عن الأذلاء، أنَّ انتصار العزيز في مواجهته سيحررهم جميعًا، وسيضعفُ موقف العصابة أمامهم حين يأتي موعدُ جبيِ الإتاوة، ولا تفسير منطقيَّ لإعانتهم العصابةَ على جارهم العزيز إلّا أن تكون العبودية والتبعية قرارهم الاستراتيجي، أو أنَّهم أساسا أفرادٌ فيها، وربّما الإثنتان معًا، فأفرادُ العصابات عبيدٌ لا قيمة لهم عند البارونات.
فأمّا العصابةُ فقد كُسِرت هيبتها لحظة تمرّد أحد أبناء الحي، وأمّا من رضخ فقد خسر تاريخه وحاضره ومستقبله لحظة قبوله دفع الإتاوة، وأمّا من تمرَّد فقد انتصر لحظة اتخاذه قرار المواجهة.