في زمن صار الجهل وعدم الوعي بالتاريخ العربي سمةً غالبة، نشهد جيلنا يتساءل بدهشة: لماذا تتزاحم القوى الكبرى والإقليمية خصوصاَ على إشعال الفتن في بعض الأقطار العربية، وكأن هذه الأراضي العربية لم تعرف العظمة يوماً ولم تشهد السؤدد زمناَ؟ فيغيب عن كثير منهم أن فهم الحاضر لا يستقيم إلا بفهم ما كان، وأن الخرائط المرسومة اليوم أمام أعيننا وفوق جراحنا العربية، إنما امتدت خطوطها من صفحات التاريخ التي هجروها وهجرناها نحن، واكتفوا واكتفينا بمطالعة ما تروجه منصات عابرة لا نعلم أجندتها، وشعارات مفرغة من عمق المعنى في منصات الاعلام المأجور.
ومن تلك الأقطار المنكوبة.. السودان، هذا البلد الذي صار يُختزل في أخبار النزاع والفقر والنزوح ويتغلغل الى نفوس المطلع عليها الكآبة والحزن، بينما تُطمس عمداً حقيقة أن السودان أحد أعرق مراكز الحضارة الإنسانية. فالسودان لم يكن يوماً رقعة معزولة في طرف القارة الافريقية السمراء، بل كان قلباً نابضاً لحضارات سادت وامتدت، فقد شهد إقليم السودان مسيرة سياسية طويلة بدأت بممالك نبتة وكوش ومروي، حيث ازدهرت الحضارة النوبية وامتدت سيطرتها جنوبًا وشمالًا على وادي النيل. ثم دخل الإسلام، فظهرت ممالك الفونج وسلطنة دارفور والسلطنات الإسلامية الأخرى العريقة. وفي القرن التاسع عشر، خضع السودان للحكم التركي- المصري، تلاه قيام الدولة المهدية بقيادة الإمام المهدي، ثم استعمرته بريطانيا في الحكم الثنائي مع مصر حتى الاستقلال عام 1956. وبعد الاستقلال، تعاقبت الحكومات المدنية والعسكرية، وشهد السودان حروبًا أهلية، وانفصال الجنوب عام 2011، بالإضافة إلى انقلابات وصراعات داخلية مستمرة حتى يومنا هذا، مما جعله مسرحًا لتدخلات خارجية ونزاعات سياسية معقدة، فبعد الثورة الشعبية عام 2019، تولى الجيش وقوات الدعم السريع، بقيادة محمد حمدان دقلو المعروف بـ”حميدتي”، السلطة في شراكة هشة.
طموحات حميدتي العسكرية والاقتصادية قادته إلى إشعال صراع دموي مع الجيش النظامي في 2023، ولم يتوانى حميدتي وقواته أن يرتكبوا جرائم حرب ضد المدنيين، شملت القتل الجماعي، والاغتصاب، والنهب، خاصة في دارفور والخرطوم ، والذي يتم تمويل مليشياته من تجارة الذهب غير المشروعة والتحالفات مع قوى عربية اقليمية خارجية، مما جعل السودان ساحة صراع إقليمي ودولي معقد، يدفع المدنيون الأبرياء ثمنه الباهظ يوميًا.
فلذلك نجد أن السودان لم يكن إلا مرمىً للأطماع، لا لفراغ فيه، بل لغناه الهائل، فالبلد يزخر بالموارد الطبيعية، أراضٍ خصبة تمتد بلا حد، مياه نيل وفيرة، وثروات معدنية من ذهب ونحاس وحديد، ناهيك عن المخزون النفطي الذي تسيل له لعاب القوى الكبرى والطرق المائية وفكرة الموانئ الحيوية وإقامة قواعد عسكرية واقتصادية. فصار السودان هدفاً دائماً لكل من أراد أن يُعيد تشكيل المنطقة بما يخدم مصالحه، فيتم في سبيل تحقيق ذلك تحريك الصراعات القبلية، وتغذية النزاعات الدينية، والهدف هو رسم خطوط تقسيم جديدة، وايقاع المؤامرات تلو المؤامرات، حتى ينهار هذا القطر إلى الأبد.
غير أن المأساة الكبرى لا تكمن في تآمر الخارج وحده، بل في الجيل الحالي.. جيلنا، الذي كان أولى به أن يقرأ تاريخ السودان ليدرك قيمة الأرض التي يدوسها المتصارعون، قد انشغل عن ذلك، فاكتفى بصور باهتة عن الحرب والنزوح، ونسي أن يفهم السبب، ولو علم، لأدرك أن السودان ليس مجرد بقعة فقيرة يقتتل أهلها، بل هو كنز من الإمكانيات، تخشاه القوى العظمى أن ينهض مستقلاً، قطراَ عربياَ إسلامياَ قوياً، موحداً.
فالواجب علينا اليوم، أن نعود إلى قراءة تاريخ الأقطار العربية، لا تسليةً ولا ترفاً، بل لتشكيل وعي يحصّن العقول، ويمدّها بفهمٍ دقيق لما يجري، فمن لا يعرف تاريخه، سيظل رهينةً في حاضرٍ لا يفهم كيف تكوّن، ولا إلى أين يمضي.
ويبقى السؤال التالي: أليس من حقوق العروبة والاسلام أن تكون الانظمة العربية والإسلامية بكافة أطيافها ومشاربها ومواقعها حليفة للشعب السوداني وتحقيق مصلحة السودان العظمى؟