تجارب

غزّة ليست مسلسلاً مملًا!

مارس 22, 2025

غزّة ليست مسلسلاً مملًا!

تصدّرت غزّة التريند كثيراً حتّى أصبحت أسماء مدنها ومخيماتها وأزقتها ومستشفياتها وشوارعها مشهورةً جداً، ربّما أصبح شارعٌ فيها أعظم وأشهر من مئات المدن المعروفة حالياً، لكنّ هذه الشُهرة صنعها أناسٌ بسطاء يعيشون على هذه البقعة الدامية، وُلدوا فوجدوا أنفسهم فلسطينيين، وأنّ هنالك قضيّة تجافى العالم كله عن حملها وحملتها أكتافهم الغضّة، أناسٌ أخذوا حظّاً وافراً من الجمال والأدب والعلم والمعرفة والشغف والقدرة على الابتكار والحلم، وحظاً قليلاً من الأمان. ..

لذلك كلّما شعرت غزّة بالأمان وجدنا شوارعها تضحك، وميناءها يسهر ليلاً على كتف عشّاقها وزهّادها ومترفيها حتّى، وكلّما شعرت بالخوف خجلت، لأنّها تظنّ أنّها لم تُخلَق لتخاف، بل كي تثبت وتواجه وتستمر في وضع خنجرٍ في كل كفٍّ تحاول قتلها، لكنَّ عدوّها لم يختر أن يقف أمامها وهو يحدّق في عيونها بينما يحاول لكمها بيده، لقد حاصرها وجوّعها وعطّشها وثكّلها وأرملها وجرحها ثم قال للعالم هذه الغزّة إرهابية، والعالم صدّقَه. 

حتّى إذا قال أطفال غزّة نحن خائفون من القصف، لم يصدقهم أحد، لأنَّ العدوّ يسيطر ذهنياً على عقول العالم الغربيّ، لكن الحقيقة أن نساءها وأطفالها وشيوخها يخافون، وأنّ الخوف حق إنسانيّ وإنْ كنتَ في نظر أشقائك بطلاً، لكن لا يمكن أن يقف كل إخوتك يصفقون لك لتستمر في مواجهتك بينما لا تملك إلا لحمك الحيّ

مالكم كيف تحكمون ..؟

وبين الأمان والخوف ..


تسألني رفيقة لي، هل لديكِ حلم؟

نعم لديّ حلم، وكل شخص في غزّة لديه حلم، الذين يهربون من الموت وينزحون من مكانٍ لآخر، ويستمرون بمواجهة الجوع والعطش والبرد تحت خيمة، هؤلاء هم أعظم الناس أحلاماً على وجه الأرض، إنّهم لا يستسلمون لفكرة الموت، بل يحاولون مناورته ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا..

لكننا أمام عدوّ لا يناور، إنّه يستمتع باغتيالنا والغدر بنا والتنكيل بنا


لماذا يجب أن تحصل غزّة على فرصة للحياة؟

لأنّها الوحيدة التي تتكلم بلسان عربي مبين، إنّها لم تستعر أي عجمة، ولم تتلبس أي قناع، ولم تفترض أنها ليست هي، إنّها تشبه نفسها كثيراً، بل هي الابنة الأعظم لفلسطين الأم، على يقينٍ أن هذه الأيام القاسية علينا في غزّة ستمرّ، لأنّ دوام الحال من المحال، لكنني أرجو حين يتحرر بيت المقدس يوماً ما، أن يُنقَش فوق أبوابه (شكراً غزّة)

وكلّما رأيت أشلاءنا في الطرقات وركام منازلنا وصرخات أمهاتنا، تساءلت هل لحمنا رخيص إلى هذا الحد؟ فتذكّرت مداعبة الرسول صلى الله عليه وسلم لأحد صحابته ليردّ عليه الصحابي أوتراني كاسداً يا رسول الله؟ فقال له الرسول الأعظم (لكنّك عند الله لست بكاسد)

ويكأنني أسمع صوته الآن يقول ولكنّ دماءكم عند الله يا أهل غزّة ليست برخيصة..

إننا نموت مظلومين بأشدّ معاني الظلم، إننا نتحقق بكل مفردات المظلومية في الكون، شعب أعزل يُباد جهارا نهاراً على مدار أكثر من عامٍ ونصف بينما العالم يكتفي بالصمت أو بمجرد الشجب؟


هل يستطيع أن يفعل العالم أكثر من ذلك من أجلنا؟

بالتأكيد يستطيع، لكنّ الله عزّ وجلّ لم يأذن له بنُصرتنا، لن ينصرنا إلا مؤمن حقيقيّ يستحق شرف أن ينصرنا، مثل أهل بدر آنذاك وهم ينصرون النبيّ صلى الله عليه وسلم، قلّة مؤمنة آمنوا أن النبيّ على حق، فوقفوا أمام آلاف المشركين، 313 مقاتلاً قال فيهم النبي بعد ذلك (ما ضرّكم ما فعلتم بعد اليوم)

يهوّن علينا هذا قليلاً ممّا نحن فيه، لأنّنا فئة قليلة مغلوب على أمرها، لكننا نرجو الله أن يجعل لنا خصوصية أهل بدر وملائكة بدر فلا يضرّنا ما فعلنا بعد اليوم، والله المستعان على ما نجد، والحمد لله ربّ العالمين.

شارك

مقالات ذات صلة