سياسة

المنطقة في عين العاصفة الترمبية!

مارس 4, 2025

المنطقة في عين العاصفة الترمبية!

مرت عقود على واقعة النكبة الفلسطينية، وكل ما لم نجد له تفسيرا دقيقا ومباشرا وضع في خانة الغموض الاستراتيجي أو خبايا الدول العظمى أو أسرار دوائر القرار، كل ما لم نفهمه أو خفنا منه وكل ما تفادينا مواجهته والكثير مما صنفناه في خانة المؤامرة الخفية سقط مع عودة دونالد ترمب، الرجل الأبيض الذي حضر بحقيقته، لا قناع دبلوماسي ولا تصريحات تجامل عدسات الإعلام ولا يعنيه بتاتا مجاراة البروتوكول أو أصول محاباة الضيوف من زعماء وسياسيين.


وها نحن في عين العاصفة نواجه يقينا استراتيجيا واضحا وبارزا هذه المرة، إذ تتقاذفنا رياح المستعمرين وتتخبطنا نوايا التوسع والازدراء بدولنا شعوبا وحكاما لتحتل مؤخرا أراضي عربية جديدة وترسم خارطة تهجير سكاني تفي بالحلم الإسرائيلي الموعود.


نزل ترمب إلى ساحة الصراع بكامل عدته وعتاده وما يملك من قوة ودعم وعنجهية، مع ما يعنيه ذلك من أخطار وحسابات لم يكن الجانب العربي مستعدا لمواجهتها أو حتى التعامل معها، بل عاش العرب طوال عقود من الزمن في فلك الأمان السياسي والاسترخاء الاستراتيجي مطمئنين للدفء المحاطين به من الحليف الأمريكي الذي لن يتخلى عنهم كما ظنوا، ليستيقظوا أخيرا على كابوس وخطط تهدد هوياتهم وتعصف بشرعية بقائهم. واكتشفنا أن ما بين ترمب ونتنياهو أكثر من فلسطين، بل مساحات أكبر من دول عربية متاخمة دخلت خارطة الهيمنة والسيطرة الإسرائيلية والأيام القادمة تنذر بتوسعات أكبر وأخطر، وبتنا على أعتاب شرق أوسط جديد تصارعه رياح الاحتلال والسطو على مفاصل الجغرافيا والديمغرافيا، ويكون لإسرائيل فيه مكانة القطب الإقليمي المهيمن.


وفي مقاربة مماثلة، اكتشفنا أيضا أن العالم من حولنا لم يعد هو نفسه الذي نسجنا معه علاقات تحالف أو صداقة، فالغرب الجديد ليس موحدا وحلف شمال الأطلسي قد يصاب عما قريب بحمى التفكك أو تغيير الهوية. ويلاحظ الآن سرعة الانتقال إلى تفاهم الدب الروسي والكاوبوي الأمريكي في مقابل تلكؤ مخيف في صنع الأمن الأوروبي، وما الحرب الأوكرانية إلا مثال صارخ على تقلبات الطقس السياسي الحاصلة بين أطراف النزاع والتي أمطرت مؤخرا شتاء قارسا في العلاقة بين ترمب ونظيره الأوكراني فولودومير زيلنسكي.


على وقع تسونامي المتغيرات القادمة، أي إجراءات في حوزة دول المنطقة بعد عقود من ممارسة سياسة الانحناء للعواصف الخارجية؟ حتى الآن لا جديد في الأفق سوى مراكمة الخيبات والتقاعس أمام مشكلات النمو المتعثر والارتهان المالي والاقتصادي والتصريحات المترددة أمام نوايا ترمب المعلنة والسرية للاستيلاء على الثروات وابتزاز اعتماد هذه الدول على الولايات المتحدة أمنا واقتصادا.


ولم نحصد سوى الإطاحة بأحلامنا وآمالنا بوحدة عربية ترطب جفاء السنوات القاحلة وبأمة تشد أزر بعضها وتستثمر بحق ترابطها التاريخي والجغرافي ونسيجها الاجتماعي والتقليدي، وتسخر ثرواتها في خدمة شعوبها نهضة وتقدما، بل أضعنا الوقت مع أنظمة عاجزة لا تملك قرارها بالانسلاخ عن غرب عاد يستعيد تراثه الاستعماري ويرفع منسوب ثرواته على أرضنا وعلى حسابنا.

وها نحن الآن أمام علاقة شبه مقدسة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، علاقة تملك مفاتيحها الدولة العميقة وقوى صهيونية غير محددة المعالم لكنها بالغة القوة والنفوذ العالميين، والتي أدخلتنا زمن الابتزاز والازدراء والتوسع في ما العرب منشغلون بالقمع والاستبداد وبالتناحر والتفتت وسياسة فرق تسد، يتعثرون عند أعتاب أي مشروع قومي حقيقي يحررهم من تبعية تنخر عظامهم وتعبث بمفاصلهم الأمنية والمالية والاقتصادية، في ما تمكن كيان استعماري محتل من بناء مجتمع أمني استيطاني متماسك والاستفادة من الدعم الغربي في تعزيز نهضة جيشه ومستوطنيه وتحقيق تقدم انمائي واقتصادي وتكنولوجي كبير على أرضنا الفلسطينية المحتلة.


كل ذلك هشم حضارتنا وتاريخنا وجعل الآخرين يتحدثون عن شعوبنا كما لو كنا قطيعا يساق أو أناس من الدرجة العاشرة على هذا الكوكب لا حول لهم ولا قوة سوى الانصياع للإملاءات الآتية من وراء البحار. وهكذا تحول الحق العربي إلى استحقاق لا يمكن حمايته في ما العدوان الإسرائيلي والهيمنة الغربية أصبحت واقعا قائما بذاته وتحولت مع الوقت إلى حق مشروع وانحدرت المطالب العربية من التحرير إلى حل الدولتين ووجدنا أنفسنا على موعد مع مواجهة حروب الإبادة والتهجير أو ما يسمى ترانسفير وصولا لإلغاء القضية، وشوارعنا صامتة حتى الساعة لم تزلزلها  تلك المظاهرات المليونية الغاضبة والثائرة، وقد غابت بالفعل الأولويات والمفاهيم وانهارت الأحلام العربية فتحولت بلداننا إلى مجتمعات جوفاء فارغة رأى فيها ترمب فرصة التاريخ للانقضاض احتلالا واستعمارا، ولم تعد تلك الخطابات الدبلوماسية الرنانة في القمم العربية والفاقدة بنظره للشرعية والهيبة قادرة على لجم مشاريعه الزاحفة نحونا، وهي لا تعدو كونها شعارات متكررة لأدوات بيد الرأسمالية العالمية لا تقوى إلا على إخضاع شعوبها.


على قارعة الانتظار يجلس الجميع، يترقبون بحذر مخلفات العاصفة الترمبية وما ستحصيه الدول من أضرار وخسائر لا تقل عن الدخول في مرحلة جديدة من العبودية لا التبعية فقط وتنفيذ مشاريع وبنود الصفقات الإبراهيمية. الوقت ينفذ وعلى الأنظمة الانحياز إلى شعوبها قبل فوات الأوان، فقضية فلسطين ليست جوهر القضية العربية بمقدار ما هي مختبر تجارب لتقرير مصير الوجود العربي برمته.

شارك

مقالات ذات صلة