آراء
أتذكر الآن أنني أبدأ أول رمضان بعد الإبادة، وثاني رمضان بلا أطفالي الأربعة والكثير من صديقاتي وربما أبدأ أعظم رمضان أيضاً في حياتي..
هل يمكن أن يمر عليك رمضان أعظم من رمضان آخر؟ نعم يمكن، على قدر التهيئة والاستعداد له، بل على قدر إحساسك بأنّه شهرك، الجميل أن التفصيل النبوي لرمضان بأنّه نهاية وحصاد وليس بداية، إذ يقول حضرة النبي عليه الصلاة والسلام (رجب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتي) أي أنّ هذه الأشهر الحرم مقسمة بين الله عز وجل وحضرة النبي عليه الصلاة والسلام وبينك (أنت أيها المنتسب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم).
لن تصل إلى الإحساس الأخير، قبل أن تحس بالترتيب السابق له، الأمر يشبه أنك لن تستطيع الحصول على شهادة تخرجك الجامعية دون أن تجتاز المواد الدراسية المقررة عليك بنجاح، لن تحس أن شهر رمضان هو شهرك، وأنت لم تعش تفاصيل معاني أن يكون رجب شهر الله وشعبان شهر نبيه الأعظم صلوات ربي وسلامه عليه، دون أن تزرع بهما لن تحصد رمضانك، ولن تحصل على شهادة تخرجك الروحية الأعظم على صعيد إنجازاتك في الحياة.
أحببت كل رمضان في حياتي، لكنني سأحب كل رمضان بعد الإبادة الإسرائيلية على غزة أكثر، لأنني أعلم جيداً معنى أن نحصل على رغيف خبز وزجاجة ماء، أعرف تماماً ماذا يعني أن أجدَ طعاماً بعد جوعٍ كثير، والأجمل من ذلك كله لا أنسى أن أشكر الله على هذه النعم العظيمة والتي لم نكن نعرف قدرها كما الآن، لن أفكر طيلة اليوم بأكلة أشتهيها، لن يزعجني وجود طعام لا أحبه على المائدة، ولن أتذمر إذا كان هنالك صنف واحد على المائدة، وليس مهماً أن يكون هنالك كل ليلة طبق حلويات..
وليس مهما ابداً أن أعلق هلالاً في منزلي وفانوساً كبيراً بضوءٍ مؤقت، المهم أن يكون قلبي محراباً لائقاً ليدخله رمضان، لقد نجحت الماكنة الإعلامية المستغلة أن تحصر مشهدية رمضان في مسلسل وفيلم ودعاية وصورة فانوس وموقف كوميدي، لقد استطاعوا أن يجعلوا رمضان عبارة عن مجموعة من المثيرات بالنسبة للمشاهد العربي، وهو ليس كذلك!
لذلك أقول لك هذا رمضانك أنت، أرسله الله من أجلك، تلك هي جائزتك وتكريمك، لا يمكن أن يعطيك الله جائزة فتضعها مثلاً في مكانٍ رديء، أو أمام مشهدٍ سينمائي مخلّ، كل دقيقة في رمضان هي هدية من الله عز وجل لك، وهي منحة ونفحة وهبة وتزكية وترقية ورفعة، كيف يترك المرء هذا ويظن أنه شهر الملهيات والسهرات والطعام، لقد علّمني رمضان الإبادة كيف أعيش رمضان العبادة، وعرفت أن سجادة الصلاة هي الملجأ الأوحد تحت الغارات إلى الله، وأن شق تمرة تستحق البكاء لله شكراً، وأنَّ الله عز وجل معنا دائماً وفي كل نَفَس، لذلك لا يفقد هذا الإحساس إلا غافل، ولا يجده إلا عارف.
هنالك 60 ألف مقعد ناقص على موائد الإفطار في غزة، وهنالك أيادي ناقصة مبتورة لا تستطيع أن تمد يدها لتتناول الطعام، وهنالك عيون لم تعد تر زينة رمضان وأطباقه، ربما يغيب الشهداء عن موائدنا لكننا نعلم يقينا أنهم يحضرون، لأن الأحياء لا يموتون أبداً، وتلك الأيادي المبتورة يمدها الله بقوّته، وتلك العيون المطفأة ينيرها الله بنوره.
إنّه شهر الفتوحات، فكم من غزوةٍ انتصر فيها المسلمون، وأشهر ما حدث فيه هو فتح مكة، وكأن نبينا عليه الصلاة والسلام يقول لأنّه شهركم يا أمتي أهداكم الله به فتح مكة، أي أن رمضان هو موعد الهدايا الإلهية لك أيها المسلم، وعلى قدر استعدادك الإيماني يكون التلقي، وعلى قدر الفتح يكون الإبصار، وحين كنا نظن أن رمضان هو شهر العبادة فإني أستطيع أن أقول بل هو شهر المكافأة، فأنْ يخصّص الله عز وجل لك شهرا لتعبده فيه فهو يكافئك لكي تكون قريباً، شهر يقول لك فيه أريد أن أزكيك أكثر وأغدق عليك المزيد من النعم، إنّها الهندسة الإلهية وهي تعلمنا أن عبادتنا لله هي هدية عظيمة منه لنا، تلك الهندسة التي خصصت لنا شهرا جميلا مثل رمضان للتقرب إلى الله.
لذلك لا تترك رمضانك وحيداً، لا تجعل هذه الهدية تذبل كورد في آنية زجاجية على مكتبك، بل اجعلها تكبر وتنمو حين تضعها في مكانها الصحيح، في تربة نقية صالحة، فتنمو وتتفتح روحك معها، وتذكر دائماً أن هذا الشهر لك أنت، فكن جديراً بهذه المنحة العظيمة من الله عز وجل.