سياسة
قادة لا ينالهم الزمن، ولا تستعصي بصماتهم على ذاكرة الأجيال، ولكل ثائر أممي شعلة تنير محطات التاريخ. من يحي السنوار ومحمد الضيف الى حسن نصر الله، جماهير التقت عند مفترق الحب والولاء والتحمت حناجرها بنداء التلبية لمن حمل صوتها في فوهات البنادق وأنفاق النضال وبين أودية وجبال تمرد رجالها فحطموا أسوار المستحيل وأذاقوا المحتل طعم الهزائم فيما مضى من أعوام.
يعيش أحرار الأمة اليوم نكبة الفقد الموجع، ويبسط الحزن سواده على القلوب والنفوس الجريحة، ونشهد حاضرا مدويا باستحقاقات كبيرة وخطيرة فيما نلوح بأيدينا مودعين ثلة قدمت بشهادتها واحدة من أعظم مسيرات السمو الإنساني نحو ملكوت الحق والحرية.
يتساءل البعض لماذا عشق الناس حسن نصر الله؟ ولماذا بدا السنوار أيقونة غزة وفخر فلسطين؟ ولما بكت العيون محمد الضيف وهي لم تلمح ظله لسنوات؟ ببساطة نحن أمام نماذج مختلفة من الجهاد والنضال والقتال لتحرير الأرض والشعوب حتى الرمق الأخير، نماذج أبت الضيم وكرست أيامها الطويلة لإعلاء كلمة الحق في وجه الباطل، فكانت الشهادة جائزة انتظروها، وحصدوا أعلى مراتب الموت نصرة للحياة، فيما شعرنا نحن الشعوب الهائمة على وجهها أن كبوة الفرسان هذه غيرت العالم الذي صار ناقصا وفارغا الا من هرطقات الكفر بالإنسانية والعدالة.
لم يعد سهلا أن نستجمع قوانا بعدما خسرنا قيادة استلهمنا منها على مدى جيلنا الحالي الصدق والذوبان في حب الأوطان، والعطاء الإنساني والمنعة والصبر، قيادة لم تختزل مشوارها خلف المكاتب وفي الصالونات السياسية، بل التحمت أجسادها بساحات الوغى والتخوم والحدود وعرفتها الخنادق والأنفاق، وسالت أسماؤها رحيقا يعطر الأيام ومثالا يلهم أصحاب الأقلام.
في الأحياء والساحات التي اكتظت بمشيعي جثمان أمين عام حزب الله كانت عبارات الناس تتقاطع عند مفردات الفقد الأليم، “لقد تركنا السيد في الزمن الصعب، ما حدث هو المستحيل الذي داهمنا وقهرنا وأيتمنا”، تماما كما ودع أهل غزة الهالة التي اختتم بها يحي السنوار حياته وتلك الصورة الصارخة والشاهدة على تاريخ الأبطال وهو يلوح بيده كمن يرسل رسالة البقاء والاستمرار والمواجهة حتى ينقطع النفس.
شعر اللبنانيون والغزيون ومعهم كثير من العرب أنهم افتقدوا أصحاب إيمان ديني مرصوص وانفتاح روحي يستلهمون منه ويعيشون معه، وكلنا يسأل ألم يحن موعد الإعجاز يا الله، وما بال قادتنا يغادرون وتذبح سيرتهم قبل أن تكتمل، ويتمزق المشهد أمامنا باكرا ويحل الصمت.
كيف نكفكف أحزاننا؟ تعبنا من دمائنا ودموعنا، فلسطين ما تزال تمسح أحمرها القاني، ولبنان ينتشل جثامين أبنائه ويودع قادته، وكلنا يقترب من الكهولة على عجل. والكل يتفرج، يتابع بهدوء سيلا دمويا وظلما يبسط أجنحته على خرائطنا، التمرد ممنوع، والثورة موضة بالية، والتظاهر مقموع والكلمة مأجورة والمواقف مرتهنة والمال يفتك بالقناعات والآراء.
استشهد السنوار لأنه انتفض في السابع من أكتوبر، انتفض من أجل عيون رفاقه الأسرى خلف القضبان، فقتل ومعه محمد الضيف وثلة من الشرفاء، وقبل ذلك استشهد نصر الله لأنه رفض وتمرد وقال لا وألف لا، لأنه ساند غزة، لأنه فضح المتخاذلين والمتآمرين، تجرأ على كشف عارهم وخيانتهم، وفي زمنه استبيحت المستوطنات ولم تنم تل أبيب، وأربك حسابات العدو، تماما كما تجرأت غزة وقصفت وضربت وأقلقت جنرالاتهم وابتلعت أسراهم في باطن أرضها.
ها ذا نحن نعبر إلى زمن الغياب، زمن امتحان البقاء والثبات، إسرائيل لا تجرف الأرض فحسب، بل تجرف الشعب برمته، الولايات المتحدة تعرض بسخاء تشريده الى الصحارى العربية القاحلة والعاجزة، وفي لبنان يستثمر العدو مساحة الغياب ويستبيح ويعربد برا وجوا فنصر الله لم يعد موجودا، وفي سوريا يزحف شبح التقسيم وترسم الخرائط على موائد المتخمين بأطماع استعمارية لا حدود لها. أوطاننا ليست بخير، ثمة من رحل، ثمة من تجرأ على المستحيل وغاب، ليكشر الوحش عن أنيابه أكثر وأكثر منتشيا متباهيا، قتلنا السنوار قتلنا الضيف وقتلنا نصر الله.
ماذا بعد؟ هل نحلم مجددا، هل ننتزع الحزن الذي استوطن قلوبنا؟ نعم فقادتنا ضد الغياب، وغيابهم الشاهق ألما ودمعا سيثأر إيمانا وصلابة ، لا بد من تطويع خوفنا وهواجسنا واعتزال اليأس، لا يبكى الشهيد بل يقتدى به، ثمة من ذهب الى مقامه السماوي الجميل وهو وعد قرآني، وثمة من سيواصل الطريق ، لن نبرم عقدا مع النسيان، وسننتظر فلسطين من البحر الى النهر، سقط الدم لكن لم يسقط الزند ولم تسقط الروح، وآن لعويل التذلل أن يخرس، والدم دمنا جميعا وقاتلنا واحد يبرم بسيفه صلحا مهشما ويوقع تاريخ سقوطنا، لذلك لا خيار لنا سوى الصمود وأن نبقى على العهد فاليأس انتحار والرحلة الأخيرة تبدأ اليوم، ومن غزة الى لبنان الى كل البقاع الحرة سنلبي نداء من رسموا لنا شارة النصر وشيفرة الخروج من ليل الهزائم وسيبقى الهتاف مدويا “حط السيف قبال السيف نحن رجال محمد ضيف” ليلتقي عند تخوم جنوب الأرز بنداء لبيك يا نصرالله!