سياسة
الجزء الأول التوافقات
أينما كنت وكيفما أصبحت، موقفي ثابت لا يتزحزح؛ الحل دائما قانوني ودستوري. الحل في بديل مدني ديمقراطي بالوسائل المشروعة. الحل في الشفافية والتداول السلمي للسلطة. من هذا المنطلق وحده وكمسؤولين وكمواطنين أولا وأخيرا نحن لا نتمنى الفشل للمسؤولين في هذه السلطة، لكننا لن نتراخى ونحتكم لمن لا يحترم نفس القانون ويراعي الدستور ويحترم دوره ومركزه وأمانة المواطنين وحياتهم.
في مجلس النواب لن أوجه أمرا لرئيس الجمهورية أن يصادق على هذا التشريع أو لا؛ إلا حين يكون أمرا صادرا عن الأغلبية. كوني لفتت النظر بقوة إلى أن هذه التشريعات تضر، وأنني أحمل الرئيس مسؤولية ذلك باعتبار أن لديه صلاحية رده إلى البرلمان لإيجاد حل توافقي للتصويت عليه أو رفضه. ولا علاقة لهذا بالمحبة أو الكراهية. إذا كان في الأمر شبهة المناكفة السياسية، بما يشى بأن المعارضة تعترض للمناطحة وليس للصالح العام فهناك إذن شك في نزاهة النائب والمسؤول وقدرته أن يكون على مستوى الحدث.
في بداية الفصل التشريعي الأول للدورة البرلمانية في ٢٠١٦، تشكل ”ائتلاف ٢٥-٣٠“ وانضم لنا ٢٦ نائبا. المستهدف كان تشكيل جبهة قوية تلتفت وتتصدر النقاشات والتشريعات المطروحة وتتفاوض بشأنها إلى نصل لاتفاق تفاوضي إلا إذا كان تشريعا أو قرارا كاملا معيبا فنكون على قلب رجل واحد ويكون الائتلاف ”وقد قلت مرارا أن صفة التكتل ظلم للائتلاف لأننا لا نتكلل فنشكل عقبة أما قرارتنا كمسؤولين مشرعين في البرلمان، ولكننا ائتلاف يضم تيارات وفكر سياسي مرن لنستمع لأكثر من وجهة نظر فيما بيننا ثم نخرج بقرار موحد.
ابتسمت في أحد اللقاءات المصورة لوصف ائتلاف ٢٥-٣٠ بالمعارضة المستأنسة، فلم نكن مستأنسين أبدا كما روج إعلام السلطة؛ ويشهد على ذلك مضابط مجلس النواب، ثم كل ما أتيح لنا من مخاطبة الجمهور والناخبين. وأذكر أنني شخصيا في الأسبوع الأول من عمل المجلس تعرضت لتصويت للخروج من القاعة بسبب رفضي لقانون تنظيم الطعن على عقود الدولة، المتعلق بإنهاء قضايا تتعلق بفساد بمئات المليارات.
بل كان بعضنا في يوليو ٢٠١٨ مهددا بالفصل من البرلمان لأن التكتلات والأحزاب وامتدادات السلطة في وجه المعارضة كانت متحفزة وعنيفة بدءا من انعقاد ٢٠١٥ ونضالنا باستماتة على ألا يتم تسليم الجزيرتين للسعودية. نحن كنواب ممثلين عن حقوق الشعب المصري ومهمتنا تمثيله ومسؤولية التشريعات التي تصدر باسمه في الائتلاف، أرحنا ضمائرنا بقدر ما نستطيع، مثلنا قناعات، عبرنا عن آراء وطرحنا بدائل. المسؤولية تقع على إدارة وأغلبية المجلس أنها لم تأخذ بهذه الآراء والبدائل والمقترحات من الائتلاف.
العلاقة بين مجلس النواب ورئيس الدولة لا يصح أن تقدم إلا في سياقها الدستوري المحدد. لأن مجلس النواب ليست له سلطة الرقابة على عمل رئيس الجمهورية، الرئيس يأتي منتخبا ويحاسب أمام ناخبيه. ذلك يطلب منه بصفته الاعتبارية أن يتحمل مسؤوليته كما نراها.
بالنسبة للقوانين المثيرة للجدل، والتي نراها تصنع أزمات. فعندما نفشل في حل المشكلات في المجلس، للرئيس سلطة التصديق، وله أن يعيد هذه المشروعات للمناقشة في المجلس مرة أخرى. وقد أثبتت التجربة أن ما رفضناه، وحاولنا بقدر المستطيع أن نوقفه، قد صنع أزمات من بينها الإدارة السيئة لأزمات الخلاف حول مشاريع القوانين داخل المجلس.
كان من المفترض في الخمس سنوات التي قضيتها نائبا في المجلس أن تحل قضايا أصبحت كوارث الآن كالأزمة الاقتصادية والمالية والديون وخصخصة القطاع الصحي وأزمات قطاع التعليم، والهمين الكبيرين تأمين الحدود وقضية نهر النيل. نحن لم ننظر منذ ٢٠١٥ على أن ما يقوم باعتباره إصلاحا اقتصاديا وكنا واضحين في هذا الأمر. ما كان يقدم من وقتها وإلا الآن هو مجموعة إجراءات مالية ونقدية محدودة الفكر وغير قابلة للتطبيق، تحاول تحميل الفاتورة للمواطن المصري في الفئات التي لم تعد تستطيع التحمل وفقا لروشتة وإملاءات صندوق النقد الدولي. بينما أرى وكان جزءً من برنامجي الانتخابي نائبا وبرنامجي الممنوع في طريقي للرئاسة أن الإصلاح الاقتصادي مشوار طويل لكن أولوياته معروفة وهي الأهم. تبدأ بآليات وطنية مصرية دون إملاءات تعالج الاختلالات الجوهرية وبعضها مزمن وبعضها مستجد في الزراعة والتجارة والسياحة والصناعة وهكذا.
المعيار لنجاح أو سقوط أي برلمان يكمن في سؤال بسيط؛ هل ما يخرج للمواطنين من هذا البرلمان يريح معيشتهم؟ يحسن أوضاع؟ ذو فائدة مستقبلية؟ يحمي لهم حقوقا؟ يعكس ثباتا على قضية وطنية؟ لو الإجابة بنعم فهذا برلمان يمثل شعبه. والعكس صحيح. الأغلبية في البرلمان في أي برلمان؛ لها معارضة بالمجلس، هذا أمر صحي. كان في ذلك البرلمان الذي كانت نائبا فيه لخمس سنوات أغلبية يختلفون معي، وفقا للقواعد الديمقراطية، حسابنا جميعا أمام الناخبين كمسؤولين فترات نيابتنا عنهم في المجلس.
أخيرا أعود إلى فضيلة الشفافية، وهذا المقترح اقترحته داخل وخارج البرلمان. لماذا لم تعد جلسات البرلمان تبث حية على الهواء كما كانت في السابق؟ لماذا لا يرى المواطن أخطر أموره وكيفية اتخاذ القرار فيها ثم تطرح عليه بعد هضم موادها وكيفية نقاشها للتصويت المباشر قبل أن يتخذ فيها القرار إذا كانت بشأن قضية محورية؟ الأهم أم يتلزم النائب بمن ينوب عنهم أبسط حقوقهم عليه حين وضعوه في مقعده هذا وأمنوه أمانته تلك؟ سؤال أستكمل به المقال القادم.