آراء

وليّ النعم.. محمد علي باشا وحروبه على الوهابية

وليّ النعم.. محمد علي باشا وحروبه على الوهابية

نستكمل في هذا المقال عرض كتاب «وليّ النعم» عن سيرة محمد علي وعالمه للمؤرخ خالد فهمي، ونتوقّف في البداية عند حدثٍ مهمّ، وهو حملة الجزيرة العربية، فقد كانت لحظةً مهمّة في حُكم محمد علي، طمع فيها أن يحصل مقابل انتصاره على حُكم بلاد الشام، لكنّه لم يحصل عليه، وكانت خيبة أمل كبيرة في ولايته وفي موقفه من الخلافة العثمانية.

نقف عند هذا الحدث لأنّه لم يكُن محطة عابرة في مسار محمد علي، وكان أثره متعديًا جمهور مصر إلى رعايا الدولة العثمانية في الجزيرة العربية. يوضّح الكتاب أنّه عندما استولى آل سعود والوهابيون على مكة في عام 1803 وسيطروا على المدينة المنورة في السنة التالية، اعتبرت إسطنبول هذا تعدّيًا خطيرًا على السيادة العثمانية وعلى مقام السلطان حامي الحرمين الشريفين، سليم الثالث، آنذاك. فأرسلت الأوامر إلى شتى الولاة، ومِن بينهم محمد علي في مصر، لإرسال التجريدات لقتال الوهابيين وإعادة الحرمين الشريفين إلى الحظيرة العثمانية.

كانت الاستجابة لهذه الأوامر تنطوي على مخاطرَ جمّة، ففضلًا عن الأخطار الجليّة الخاصّة بقيادة حملة عسكرية على أرض معادية، كان المتوقع أن يتكبّد محمد علي نفقاتٍ طائلة في التعبئة لحملة من هذا القبيل وإعداد العدة لها، ناهيك بأنَّ غيابه عن مصر سيوفّر فرصة ذهبية لإسطنبول كي تُحِلَّ محلَّه رجلًا ثقتها به أكبر ليحكم الولاية المهمة.

هكذا أتت أوامر السلطان سليم للباشا محمد علي بمحاربة الوهابيين فجعلته أمام خيارات أحلاها مُرّ. وبحنكته السياسية أخذ محمد علي في التسويف برهة، فمتى تجددت الأوامر كان يردّ على إسطنبول مقدِّمًا العذر تلو الآخر، تارة كان العذر هو الموقف الصعب المتمثل في انحسار النيل والعجز عن تحمُّل أيّ نفقات ضرورية إعدادا للحملة، وتارة كانت الحرب الروسية-العثمانية.

حملة طوسون باشا ومذبحة المماليك

خَطَّط محمد علي لهذه الحملة على نحوٍ شديد الدهاء، فقد أبلغ إسطنبول بأنّه لن يقود الحملة بنفسه، وطلب إرسال فرمان يقضي بتعيين ابنه الثاني طوسون، وهو آنذاك فتى لم يكَد يبلغ الثامنة عشرة، صاري عسكر الرَّكْب. وعندما وصل الفرمان حسب المطلوب، عقد محمد علي العزم على استغلال الفرصة المتمثلة في مراسم الاحتفال بإعلان الفرمان ليتخلص من المماليك بضربةٍ قاضية، وكانت مذبحة المماليك.

وعندما تلقَّى محمد علي في 1811 أوامر جديدة من السلطان محمود بالإسراع على وجه الضرورة في شنّ حملة على الوهابيين، كان عليه التفاني في تنفيذ أوامر مولاه، فبذل قصارى جهده ليمدَّ ابنه طوسون، قائد الحملة، بما تيسَّر له جَمْعُه من الرجال والإمدادات والذخيرة. استفاد محمد علي كذلك من الحملة في إرسال الأرناؤوط ليلقوا حتفهم ويتخلص من ضغطهم عليه.

وفي الوقت نفسه بقي الباشا على اتصال بابنه من خلال رسائل تشجيعية لرفع معنوياته وإسداء النصح إليه. يوضّح خالد فهمي قيمة هذه الرسائل في كشفها عن علاقةٍ حميمةٍ ودودةٍ بين الأب والابن. وعلى الرغم من صِيَغ المخاطبة الرسمية التي استخدماها، يمكن للمرء أن يستشعر الرباط الوثيق بين الكهل والشاب حديث السن.

ونتيجةً لهذا التقسيم للعمل بين محمد علي وطوسون، حيث الأب منهمك في تدبير الأموال والمهمات اللازمة للحملة فيما يدير الابن العمليات العسكرية، وهو تقسيم للعمل سنراه لاحقًا يتطور ويتبلور ويزداد دقةً مع الابن الأكبر، إبراهيم باشا، نجح طوسون بعد ثمانية عشر شهرًا من القتال في طرد الوهابيين من المدينة المنورة.

لم يمرَّ وقتٌ طويل قبل أن تتكبّد قوات طوسون نكسات جدِّية، وكان واضحًا لمحمّد علي أنّ ابنه لم يستطِع تصريف جميع الشؤون اللوجستية والمالية والعسكرية للحملة، ناهيك بإتقان المسائل المعقّدة الخاصّة بالسياسات القَبَلية، وهي أمورٌ ضرورية لتكون له اليد العليا على الوهابيين في أرضهم.

رحيل طوسون بالطاعون

في ربيع 1815 اشتدت المواجهات بين طوسون والوهابيين، وحتى بعد أن بسط طوسون سيطرته على القصيم بين المدينة والدرعية، معقلهم، لم يتمكن من القضاء عليهم. وممّا زاد مشكلاته أنّه فقدَ واحدًا من أكفأ ضباطه في إحدى المعارك. وبعد أكثر من خمس سنين من القتال لم يتمكن في أثنائها من إلحاق هزيمةٍ حاسمة بالوهابيين، كتب طوسون إلى أبيه -الذي كان قد عاد إلى مصر في صيف 1815- يسأله إن كان بإمكانه العودة هو أيضًا إلى مصر. كان طوسون قد اكتسب سمعة الكرم والشجاعة، وكان مغرمًا غرامًا صادقًا بالمصريين ومحبوبًا بدوره ومحترمًا مِن قِبل رجاله، لذا استُقبل استقبال الأبطال في عام 1816، وما كادت الاحتفالات تبدأ بعودته حتى سقط مريضًا بالطاعون الدبلي، وفي غضون أربع وعشرين ساعة كان ميتًا. نزل الخبر الأليم على محمّد علي كالصاعقة، وحَزِنَ حزنًا عميقًا لوفاة أحبِّ أبنائه إليه.

محمد علي يقود الحرب على الوهابية

تُوضِّح سيرة وليّ النعم أنّه بعد شيء من إملاء النظر، اتخذ محمد علي قراره الجريء بالذهاب إلى الجزيرة العربية بنفسه. كانت تلك أول رحلة له خارج مصر منذ قدومه إليها قبل اثنتي عشرة سنة، ولا بُدَّ أنّه قد وازن بين المخاطر التي تنطوي عليها مغادرة مصر وبين فوائد وجوده الشخصي في الجزيرة العربية. وقد قضى في هذه الرحلة قرابة عامين، من 1813 إلى 1815.

انتقل محمد علي إلى الجزيرة العربية لإكمال حملته وهو في أوائل العقد الخامس من عمره. ولسنوات طويلة، في أثناء حملته في الجزيرة العربية، كانت هواجس الباشا تتمحور حول طمع بريطانيا في مصر، وأنَّ إنجلترا تفتش عن ذريعة لانتزاع مصر. يُورِد خالد فهمي حديثًا بين الرحالة بوركهارت ومحمد علي في الطائف عام 1814، ففي أعقاب نفي نابليون بونابرت إلى جزيرة إلبا في البحر المتوسط، خاف محمد علي مِن تفرُّغ إنجلترا لاحتلال مصر، فمحمد علي يقول له: «أنا صديق الإنجليز»، لكنّه يخاف أن يهاجموا مصر وهو مشغول في محاربة الوهابيين.

هدم الدرعية

بعد ذلك أرسل محمد علي ابنه الأكبر إبراهيم لمواصلة قتال الوهابيين وحلفائهم من آل سعود، وحاصَر الدرعية، معقل أو عاصمة آل سعود، وفي 1818 وبأوامر من أبيه بدأ الهجوم على المدينة بغرض الاستيلاء عليها، فلما تمَّ له هذا أَسَرَ القائد، عبد الله بن سعود، وأرسله إلى أبيه في مصر، ليصل إلى المحروسة.

يَدُلُّنا نَصُّ الجبرتي على طريقة تعامُل محمد علي مع أعدائه: «فلما دخل عبد الله بن سعود عليه قام له وقابله بالبشاشة وأجلسه بجانبه وحادثه وقال له: “ما هذه المطاولة؟”، فقال [عبد الله بن سعود]: “الحرب سجال”، فقال: “وكيف رأيت إبراهيم باشا؟”، قال: “ما قصَّر، وأبذل هِمَّته، ونحن كذلك حتى كان ما قدَّرُه المولى”. فقال: “أنا إن شاء الله أترجَّى فيك عند مولانا السلطان”. فقال: “المقدَّر يكون”».

وما هي إلا أيام قليلة حتى أرسله محمد علي إلى إسطنبول حيث قطع رأسه في 1818، ومرة أخرى اعترف السلطان محمود بفضل محمد علي بأن أصدر فرمانًا عيَّن ابنه إبراهيم واليًا على جدة، وخلع عليه رسميًّا لقب «باشا»، وأكمل إبراهيم باشا مهمته بهدم الدرعية. وينقل فهمي مِن المؤرخ بن بشر في كتابه «عنوان المجد في تاريخ نجد» كيف دُمِّرَت المدينة مِن دُورها وقصورها وقَطْع النخيل والأشجار وعدم الرحمة بالصغار، وأنهم أشعلوا فيها النيران، وهجَّروا سكانها. ويوضح فهمي أنَّ السرَّ في نجاح هذه الحملة يكمن في حالة التكامل بين العمل العسكري واللوجيستي، فقد حرص محمد علي على إمداد القوات بالمؤن والرواتب وأن يتفرغ إبراهيم للقتال.

وحشية إبراهيم باشا

وحشية إبراهيم باشا في الجزيرة العربية لا تختلف عن وحشيته التي أظهرها للفلاحين وشيوخ القرى في صعيد مصر، ولم يَسَعِ الجبرتي إخفاء سخطه عند وَصْف الفظائع التي ارتكبها إبراهيم في الصعيد، فيقول: «فعل [إبراهيم] بهم فِعل التتار عندما جالوا بالأقطار، وأذلّ أعزّة أهله، وأساء أسوأ السوء معهم في فعله، فيسلب نعمهم وأموالهم ويأخذ أبقارهم وأغنامهم…[وعندما] تعجز أيديهم عن الإتمام، فعند ذلك يُجري عليهم أنواع الآلام من الضرب والتعليق والكيّ بالنار والتحريق، فإنّه بلغني -والعهدة على الناقل- أنّه ربط الرجل ممدودًا على خشبةٍ طويلة وأمسك بطرفيها الرجال وجعلوا يُقلِّبونه على النار المضرمة مثل الكباب.

وليس ذلك ببعيدٍ على شابٍّ جاهلٍ سِنُّه دُون عشرين عامًا وحضر من بلده ولم يرَ غير ما هو فيه، لم يؤدبه مؤدب ولا يعرف شريعة ولا مأمورات ولا منهيات. وسمعت أنَّ قائلًا قال له: “وحقِّ مَن أعطاك”، قال: “ومَن الذي أعطاني؟”، قال له: “ربُّك”، قال له: “إنّه لم يُعطِني شيئًا، والذي أعطاني أبي. فلو كان الذي قلت فإنّه كان يُعطيني وأنا ببلدي (أيّ قول)، وقد جئت وعلى رأسي قبع مزفَّت مثل المقلاة”… فلهذا لم تَبْلُغه دعوى ولم يتخلَّق إلا بالأخلاق التي درَّبه عليها والدُه، وهي تحصيل المال بأيّ وجهٍ كان، فأنزل بأهل الصعيد الذلّ والهوان».

تذكرتُ وأنا أقرأ هذه الفصول من سيرة وليّ النعم قوله تعالى: {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي ۚ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا ۚ وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ}. ونقرأ في مذكرات نوبار باشا أنَّ إبراهيم لم يكُن ينام الليل، وكان يعاني من النوم المتقطّع، وكان عادةً ما يرسل في طلب نوبار ليسهر معه ويتجاذب معه أطراف الحديث كي ينسى همومه قليلًا. سأل نوبار ذات يومٍ العبد عمر الذي يسهر معهما منذ متى يعاني إبراهيم باشا من هذه المشكلة، فقال له إنَّ الرجال الذين قتَلهم في الشام يجيئون لإيقاظه من نومه ليلًا. يصف نوبارُ عبدَ إبراهيم باشا بأنّه شخصٌ بدائيٌّ لأنه لا يفهم فكرة الندم والشعور بالذنب وحوَّلها إلى معنى ملموس يوقظ فيه القتلى إبراهيم من نومه.

ويوضّح كتاب «ولي النعم» أنّ إبراهيم لم يكُن وحده الذي تعدَّى الحدود، فقد كان سوء استخدام السلطة متأصلًا في النظام الذي أسسه الباشا.

ثمّ تأتي قصة ابنة الباشا، نازلي، التي تزوجت محمد بيك الدفتر دار، فقد روى نوبار باشا في مذكراته أنّها كانت غارقة في حُبِّ زوجها وغيورة غيرة قاتلة. وذات يومٍ عندما حدث أن أبدى ملاحظةً عن جمال إحدى جواريه، استمعت نازلي بهدوء، وفي ما بعدُ على العشاء قدَّمَت له رأس الجارية على طبق طعام، فقام من المائدة وخرج، ولم يَعُد إلى نازلي. وعندما علم محمد علي بالحادث استبدَّ به الغضب حتى إنه أمَر حفيده، عباس، بأن يقتل عمَّته، ولكن بعد مناشداتٍ مطوّلة من عباس وافق محمد علي على ترك ابنته حيّة.

ثورات المصريين على الباشا

أسهمت حروب محمد علي على الوهابية في الهجوم عليه في داخل مصر، فقد ظهر الشيخ أحمد وادَّعى أنّه المهدي المنتظَر في صعيد مصر، وأخذ يُحرِّض الناس على محاربة محمد علي بسبب محاربته الوهابيين، وانضمّ إليه 600 فلاح، ثمّ امتدّت دعوته وانضمّت إليه أعداد أكبر وصلت إلى 30 ألف رجلٍ وامرأة، واعتدى الفلاحون على موظفي الباشا ومقارِّ الحُكم، وكانت فتنةً كبيرة واجهها محمد علي بلا شفقة، وقمَعها بوحشية ضخمة حتى لا يتكرّر العصيان عليه في نواحي مصر، بل إنّه أعدم خمسةً وأربعين ضابطًا حديثي التعيين أمام رجالهم بعد أن حامت الشكوك حول ولائهم للباشا، وليكونوا عبرةً لزملائهم.

الابن يقتل الأب

وفي واقعةٍ توقّفت عندها عندما حكاها خالد فهمي في بودكاست قبل صدور الكتاب، وأتى على شرحها في الكتاب، أطلَقَ جندي من جنود محمد علي النار على والده [والد الجندي] لأنّه من الثوار، فأرداه قتيلًا، وكانت الحادثة مشهورة حتى إنَّ محمد علي لُفِت نظره إليها في المحروسة فأصدر أمرًا بترقية الأونباشي.

هذا النوع من الثورات دلَّ على مقاومة المصريين لسلطة محمد علي وعدم الخنوع، بل إنّهم هربوا من التجنيد بأعدادٍ ضخمة، وتركوا قُراهم هروبًا من مندوبي الباشا. واخترع محمد علي تذاكر لتنقّل الفلاحين بين القرى حتى يمنع ظاهرة التهرُّب من الجيش، وأنزل بجنوده أقصى العقوبات بسبب الهروب، كلّ ذلك يدل على فقدان هذا الجيش عقيدة قتالية تجعله يتمحور ويلتفّ حول مشروع الباشا، وتؤكد هذه الحوادث أنّ هذا المشروع كان مشروعًا شخصيًّا وعائليًّا للباشا، وأنّ المصريين قد أُجبروا على التجنيد، لدرجة إحداثهم عاهات في أجسادهم مثل العمى المؤقت عبرَ ذَرِّ سُمِّ الفئران في أعيُنهم وقَطْع الأنف والأذن حتى لا ينضمُّوا إلى الجيش.

أصوات الوهابيين

وعند قراءة سرد خالد فهمي عن حروب محمد علي في الحجاز، افتقدتُ استخدامَه منهج التاريخ من أسفل لإظهار صوت الوهابيين في حروبهم، وسرديتهم ورؤيتهم لجيش الباشا، وما الفتاوي التي تداولها لحرب محمد علي أو تصوُّرهم عن الدولة العثمانية، فضلًا عن المادة العلمية الكبيرة في الشِّعر والمرويات وقصص هذه الحروب من وجهة نظر جنود الدولة السعودية وهُم يواجهون جيش محمد علي، ساعتها نستطيع أن نُعايِش هذه اللحظة التاريخية برواية الطرفين المصري والوهابي.

شارك

مقالات ذات صلة