آراء

الريلز.. متعة عابرة أم استنزاف خفي؟

أبريل 10, 2026

الريلز.. متعة عابرة أم استنزاف خفي؟

عندما تُصبح الثواني القليلة مرآةً للنفس في لحظةٍ عابرة، يمرُّ فيديو قصير أمام أعيننا لا يتجاوز ثوانٍ معدودة، لكنّه يترك أثرًا أطول ممّا نتخيل. نضحك نقارن نشعر بالإعجاب، أو ربما بعدم الرضا، ثمّ ننتقل إلى الفيديو التالي دون أن ندرك أن شيئًا ما في داخلنا قد تغيّر.

 هذا هو عالم الريلز، حيث لا يُعرَض المحتوى فقط بل تُعرض مشاعر الإنسان نفسه. يعتمد هذا النوع من المقاطع على جذب الانتباه خلال اللحظات الأولى، مستفيدًا من استجابة الدماغ السريعة للمثيرات، مثل الحركة والصوت والتغيير المفاجئ. ومع التكرار يتحوّل التصفُّح إلى سلوكٍ شبه تلقائي، يجعلنا ننتظر الشعور الممتع أكثر من مشاهدة المحتوى نفسه، وهنا يرتبط الأمر بنظام المكافأة في الدماغ حيث يتمّ إفراز الدوبامين، ممّا يعزز الرغبة في الاستمرار بالمشاهدة دون وعيٍ كامل بخطورة ذلك.

لكنّ التأثير الأعمق يظهر في المقارنة الصامتة التي تحدث داخلنا، حين نرى صورًا مثالية لحياةٍ أو أشخاص، فنبدأ بمقارنةٍ غير واعية تولّد شعورًا بعدم الكفاية، أو انخفاض تقدير الذات أو القلق. ومع استمرار التعرُّض لهذه الصور، تتشكّل لدينا أفكار غير واقعية عن أنفسنا وعن الحياة. كما أنّ الكثير من هذا المحتوى لا يعكس الحقيقة، بل يعرض نسخة منتقاة ومحسّنة ممّا يخلق صراعًا بين الذات الحقيقية والذات التي نظنّ أنّه يجب أن نكونها، وهذا قد يدفع البعض إلى تقليد الآخرين أو فقدان جزء من هويته تدريجيًّا.

ورغم أنّ هذه المقاطع قصيرة، إلا أنّ كثرتها وسرعة التنقُّل بينها تؤدي إلى إرهاق ذهني وتشتُّت في التركيز وضعف في القدرة على الإنجاز، حيث يصبح العقل مشتّتًا بين كمٍ هائل من المعلومات دون معالجة حقيقية لها. وهنا تظهر أهمية تنظيم الوقت وعدم ترك الساعات تضيع في التصفُّح العشوائي، لأنّ ما يبدو كوسيلة تسليةٍ قد يتحوّل إلى استنزافٍ حقيقي للوقت والطاقة، لذلك من الضروري أن نكون واعين بعدد الساعات التي نقضيها على الهاتف، وأن نحدد أوقاتًا واضحة لاستخدامه بدل أن نتركه يسيطر على يومنا.

كما أنّ اتخاذ القرارات في حياتنا لا يجب أن يكون متأثرًا بما نراه في الريلز أو الفيديوهات السريعة؛ لأنّ هذه المقاطع لا تعكس الواقع الكامل، ولا تعرض الصورة الحقيقية للتجارب، بل تقدّم لحظاتٍ مختصرة ومثالية. لذلك من المهم أن نبني قراراتنا على التفكير الواعي والتجربة الحقيقية والمعرفة العميقة، وليس على محتوى سريع عابر لا يتجاوز ثوانٍ.

والاهتمام بالصحة النفسية والجسدية جزء أساسي من هذا الوعي، فالإفراط في استخدام الهاتف قد يؤدي إلى تعبٍ نفسي توتر وقلق وقلة نوم، بالإضافة إلى آثار جسدية مثل إجهاد العين وقلة الحركة. لذلك من المهم تحقيق توازن صحي بين استخدام التكنولوجيا والحياة الواقعية، من خلال تخصيص وقتٍ للراحة والنشاط البدني والتواصل الحقيقي مع الآخرين.

في النهاية الريلز ليست مجرّد فيديوهات قصيرة، بل تجربة نفسية تؤثر في أفكارنا ومشاعرنا وسلوكنا، وكلّ تمريرة إصبع ليست مجرّد انتقال بين مقاطع، بل انتقال بين حالاتٍ شعورية مختلفة. لذلك يبقى السؤال الأهم: ليس ماذا نشاهد، بل ماذا يفعل بنا ما نشاهده؟ وهل نستخدم وقتنا بوعيٍ، أم نتركه يضيع في محتوى يملأ الفراغ دون أن يضيف قيمة حقيقية لحياتنا؟.

شارك

مقالات ذات صلة