آراء
حين تنشب الحروب العسكرية فإنّنا نجد في حقيقتها أنّها ليست مجرّد مواجهة عسكرية تُحسم في الميادين، بقدر ما هي “تعطيل مفاجئ” وشامل لعقول الشعوب ومصالحهم عن كلّ ما هو مفيد ومهم في مسيرة النهضة الإنسانية، ففي اللحظة التي تشتعل فيها النيران، يتوقف الإنسان عن التفكير في تطوير التعليم، أو تحسين جودة الصحة، أو ابتكار حلول اقتصادية مستدامة، ويصبح همه الوحيد محصوراً في الأمن و “تأمين البقاء” والهروب من شبح الموت والمجاعة، وهذا الانشغال القسري يحوّل أحلام الشعوب في السيادة والازدهار إلى مجرّد سراب ووهم كاذب، ويجعل الدول والمنظومات أوهن من “بيت العنكبوت” أمام الأزمات الوجودية التي تفرضها القوى الكبرى لمصالحها الخاصة، فالحروب تسرق من الشعوب أغلى ما تملك، وهو “الوقت” والقدرة على التخطيط للمستقبل، لتتركها غارقة في دوامة من الأزمات المتلاحقة التي لا تنتهي، ونحن نرى حرص أصحاب النفوذ على اكتساب مصالح خاصة دون النظر إلى ما سبّبوه من خذلانٍ للمصائر الإنسانية والواقع المؤلم، ودون أن يرفّ لهم جفن لمصير الملايين من البشر الذين ستتحطّم حياتهم، فهؤلاء السياسيون المقامرون لا يرون في الناس إلا “وقوداً” لمعاركهم أو أرقاماً في جداول الخسائر.
ويشهد التاريخ على هذه الحقيقة المؤلمة في قصةٍ وحكاية “اتفاقية سايكس بيكو” بداية القرن العشرين؛ فبينما كانت الشعوب العربية تطمح للاستقلال والوحدة والنهضة، كان “الكبار” يرسمون بدمٍ بارد خرائط النفوذ في غرفٍ مغلقة، ويقسّمون الأرض كالغنائم دون أدنى اعتبار لمصير الإنسان العربي أو هويته ، ولقد أثبتت تلك الحقبة أنّ الوعود البرّاقة لم تكن سوى محاولة لترميم ما تبقّى من نفوذ استعماري، وأنّ الشعوب العربية التي لا تملك القوة والندّية تجد نفسها ضحية لاتفاقياتٍ سرية تُبنى على “تبادل المصالح بين الأقوياء” لا على حقوق الضعفاء، وهذا الخذلان التاريخي تكرّر بصورٍ شتى، وأثبت أنّ المظلات الدولية والإقليمية قد تبدو أحياناً عاجزة تماماً عن إصدار قرار حازم يحمي عضواً مؤسساً فيها وقت الأزمات الوجودية في الحروب التي تشنها تلك القوى .
فحتمية المصارحة الآن وتبني –نوعاً ما- منطق الندية تفرض علينا مراجعة جذرية وشاملة لمواقفنا من المنظومات المحيطة بنا، فلقد علّمتنا التجارب القاسية أنّ السياسة الفعالة لا تُبنى على الشعارات أو العواطف الوجدانية، بل يجب أن تقوم على أساس “المنفعة المتبادلة المباشرة” والندّية الصريحة. فمن لا يحرص على أمنك وازدهارك كشريكٍ حقيقي ومباشر، لن تجده درعاً حقيقياً في ظلمات المحن، وإنّ الوعي الحقيقي يبدأ حين نرفض أن نكون مجرّد وقوداً في حسابات مشعلي الحروب، ونركز بكلّ شجاعة على بناء قوتنا الذاتية، ومصالحنا المباشرة التي تحمي الإنسان، وتصون كرامته ومستقبله من العبث والضياع وسط منظومات أثبت الواقع أنّها تحتاج إلى إعادة نظر جذرية في جدواها وأهدافها.




