فنون
“Awakenings” أو “الإيقاظ”، الذي أُنتِجَ في عام 1990، هو فيلم دراما رائع ومؤثر، مبني على قصة حقيقية حول معجزة طبّية أدهشت العالم، وقد قام “ستيفِن زيلْيان” بكتابة النصّ السينمائي باقتباسه من كتابٍ يحمل الاسم نفسه للكاتب وطبيب الأعصاب البريطاني “أوليفر ساكس”، الذي أصدره في عام 1973.
في ذلك الكتاب وثّق “أوليفر ساكس” قصّته وتجربته كطبيب أعصاب، وقد تمّ تغيير اسمه في الفيلم إلى “مالكوم ساير”، وتبدأ الأحداث في عام 1969 مع قدومه للعمل في مستشفى برونْكس، وحينها لم يكن يملك الخبرة في علاج المرضى، فمجال خبرته ينطوي في الأبحاث الطبية، وآخرها كان حول ديدان الأرض.
مدير المستشفى الطبيب “كوفْمان” لم يكن مقتنعًا بـ “مالكوم ساير” كطبيب، ولكنّه وظّفه للعمل بسبب يأسه في العثور على طبيب مؤهّل يريد الوظيفة، فالمرضى في المستشفى ليسوا أشخاصًا عاديّين، ويبدون كالجمادات، إذ لا يتحرّكون ولا يتكلّمون، وجميع الأطباء الذين تردّدوا على المستشفى يئسوا من محاولة علاجهم لأنّه لا توجد أيّة استجابة على الإطلاق.
يقوم “مالكوم ساير” بدراسة حالات المرضى، ويلاحظ استجابة البعض منهم، حيث يقوم بالتحدّث مع إحدى المريضات، وهي تنظر إليه بجمود، ثمّ تقع نظارتها على الأرض، ويرى ردّة فعلها في التعامل مع الموقف، بمحاولتها تحريك عينيها ويديها، فيُدرِك حالًا أنّها لا تستطيع أن تتحرك وفق إرادتها، ويجد أنّ هناك الكثير من الأمور المشتركة بين هؤلاء المرضى، وقد تكون بسبب الوباء الذي انتشر في عشرينيّات أو ثلاثينيّات القرن.
يبدأ “مالكوم ساير” بتجربة دواء جديد على المريض “لينِرْد لُو”ْ بعد موافقة والدته العجوز، حيث ظلّ جسده متجمّدًا لأكثر من 30 عامًا، منذ أن كان طفلًا في الحادية عشرة من عمره، وفي حالةٍ أشبه بالمعجزة، بدأ جسده بالذوبان، واستطاع أن يتحرّك وأن يتكلّم من جديد، ويرصد الفيلم مراحل علاجه وبقية المرضى.
الفيلم من إنتاج وإخراج “بيني مارْشال”، وهو من بطولة “روبِرت دي نيرو” بشخصية “لينِرْد لُوْ”، الذي قدّم أداءً مذهلًا وربّما الأفضل في مسيرته، وكذلك “روبِن وِليامْز” أبدع في أداء شخصيّة “مالْكوم سايْر”، ولا أنسى بقية الممثلين الذين قدّموا أداءً متميزًا، وأبرزهم: “جولي كافْنِر” بشخصيّة الممرضة “إلينور كوسْتيلّو”، و”روث نيلْسون” بشخصيّة السيّدة “لُوْ”، و”بينيلوبي آنْ ميلَر” بشخصية “باوْلا”، و”جون هيرْد” بشخصيّة الطبيب “كوفْمان”، و”برادْلي وايْتْفورد” بشخصيّة الطبيب “تايْلور”، و”ماكْس فون سيْدو” بشخصيّة الطبيب “بيتر إنْغْهام”.
بلغت ميزانية إنتاج الفيلم 31 مليون دولار، وحقّق نجاحًا لافتًا بإيرادات تزيد عن 108 مليون دولار في شبّاك التذاكر في أمريكا وبقية دول العالم، وقد ترشّح لـ 3 جوائز أوسكار، لأفضل فيلم وأفضل نصّ سينمائي مقتبس لـ “ستيفِن زيلْيان” وأفضل ممثل “روبِرْت دي نيرو”.
قبل بدء تصوير الفيلم اطّلع طاقم الممثلين على الأفلام التي سجّلها الطبيب “أوليفر ساكْس” لمرضاه لكي تساعدهم في تجسيد شخصيات المرضى بأفضل صورة ممكنة، وقد أمضى “روبِرْت دي نيرو” و”روبِن وِلْيامْز” بعض الوقت في المستشفى مع الطبيب “أوليفر ساكْس” ومراقبته وهو يعمل مع مرضاه، استعدادًا لأداء شخصيتيهما في الفيلم.
يُعرَف “روبِرْت ري نيرو” بأنّه ممثلٌ شديدُ التحفّظ والخصوصية في مواقع تصوير أفلامه، وقد صرّح في عدّة مقابلات أنّ “روبِن وِلْيامْز” كان من الممثلين القلّة الذين كان يحب قضاء الوقت معهم وممازحتهم خارج أوقات التصوير، وأشاد به كممثل محترف يحترم عمله.
كان “سْتيفِن سْبيلْبيرْغ” على وشك تولّي مهمّة إخراج الفيلم، ولكنّه غيّر رأيه وسلّم المهمّة إلى زميلته “بيني مارْشال”، وقد أرادت في البداية إسناد شخصية “لينِرْد لُوْ” للممثل الكوميدي “بيل مورِيّْ”، الذي أبدى اهتمامه بالشخصية، لكّنها تراجعت عن قرارها خوفًا من أن يتوقّع الجمهور فيلمًا كوميديًّا.
أقرب وصفٍ لمعاناة المرضى في الفيلم يُمكن استخلاصه من خلال تساؤل بسيط. ماذا لو دُفِنَ الإنسان في تابوت تحت التراب وهو لا يزال حيًّا؟ في أفضل الحالات، سيتعرّض للاختناق وتنتهي معاناته، ولكن ماذا عن الإنسان الذي يعيش سجينًا في جسده، كالجماد، ويعجز عن الحركة أو الكلام؟! ما حدث في صيف عام 1969 مع أولئك المرضى كان كالمعجزة حقًّا، حتى وإنْ لم تستمر طويلًا.
بعد مسيرةٍ حافلة بالإنجازات، ككاتب وباحث وطبيب أعصاب، وكرجلٍ مُلهِم حَظِيَ بعيش تجربته العظيمة بمشاهدة المرضى المتجمّدين وهم يغنّون ويرقصون ويقضون الوقت مع أقاربهم وأحبّائهم، توفّي “أوليفر ساكْس” في عام 2015، عن عمر 82 عامًا.



