تأملات

الميقات الإلهي!

أبريل 2, 2026

الميقات الإلهي!

لكلِّ شيء ميقاته أو موعده المحدد، وهذا ما يفسّر أنّ أعظم فعل للخالق وهو الخلق ربطه اللّه عزّ وجلّ بفترةٍ وموعد، “ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام” جعل اللّه عزّ وجلّ للوجود ميقاتاً ينتهي تكوينه الظاهري والباطني بعد ستة أيام، وكان يمكن أن يخلقه اللّه عزّ وجلّ في ثانية، بل وخارج إطار الزمن وإدراكنا ودون أن يذكر لنا هذه المدة، لكنّ اللّه عزّ وجلّ يعلّمنا أنّ لكلّ شيءٍ ميقات ليكون ويكتمل، حتّى عملية خلق الوجود.

 

ومن هنا نجد كيف كان لسيدنا موسى عليه السلام ميقاته في كلّ تفاصيل حياته، في رحلته إلى مدين وكيف اشترط عليه سيدنا شعيب أن يستأجره ثماني إلى عشر حجج أيّ سنوات مقابل تزويجه ابنته، وهنا يربّي اللّه عزّ وجلّ نبيه بالمواقيت المحددة، فعلى سيدنا موسى أن يعيش في مدين وبرفقة سيدنا شعيب هذه المدة الزمنية لأنّه سيتعلم خلالها ويترقى عبرها وعليه أن يتمّ هذه المدة دون نقصان.

 

“وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً” كذلك كان يمكن أن يُنزل اللّه التوراة على سيدنا موسى في يومين إلى ثلاثة، لكنّ الحكمة في أن يتم ميقات اللّه، ويكتمل، لكي يستعد سيدنا موسى لهذا التكليف بنشر التوارة وتعاليمها، كان يجب أن يختلي باللّه ويناجيه ويصوم ويعتزل الناس 40 يوماً، يعني ببساطة لكي يحصل على الاستعداد الروحي عليه أن يجتاز 40 يومًا ليبلغ الميقات الإلهيّ.

 

وكذلك إذا نظرنا لسيّدنا محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم، نجد بأنّه استغرق يدعو إلى اللّه وحده لا شريك له في مكة مدة 13 عاماً، وكان يجب أن يكمل سيّدنا محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم هذا الميقات لينتقل إلى المدينة، أي لا يمكن أن ينتقل قبله بيومٍ أو بعده بيوم، ذلك لأنّ المواعيد عند اللّه عزّ وجلّ محكمة، غير قابلة للتبديل والتغيير، فهي مواقيت العزيز العليم، وكذلك في قصة سيّدنا نوح عليه السلام، كان يجب أن تكتمل 950 عاماً من الدعوة، ليتم ميقات اللّه في عذابهم “فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا”، وسبحان الله نتعجب من طول مدّة دعوة سيدنا نوح عليه السلام، وجحود قومه في الاستجابة للإيمان باللّه، لكن كلّما عظُم الجحود وطال، عظُمت العقوبة، لذلك نجد أنّ عقابهم كان بالطوفان، ولكي يفور التنور ويحين موعد الطوفان، احتاج ذلك أن يكتمل ميقات اللّه وهو 950 سنة، وكذلك كلّ شيءٍ في حياة الإنسان، من أصغر الأشياء إلى أكبرها، أحيانا تسعى لشيء كثيراً وتأخذ بكلّ الأسباب ولا يتحقق، ثمّ فجأة بعد سنواتٍ معينة يتحقق لك ما أردت، ذلك أنّه حان ميقات ربّك، واكتمل نصاب انتظارك وصبرك، وقد حان الوقت.

 

من السهل جدًّا أن ينجز لك اللّه عزّ وجل ما أردت في الوقت الذي تريده، لكن الإنسان لا يدرك مفهوم المواقيت، كان يمكن أن تتحرر مثلًا فلسطين عام 1973، لكنّه ليس ميقات تحررها، وكان يمكن أن تتحرر في الانتفاضة ربّما، لكنّه ليس ميقات تحريرها، يجب أن تمضي السنين المقدر عليها أن تظلّ بها محتلّة جميعها حتى يحين ميقات اللّه عزّ وجلّ، وهكذا تجري حوادث اللّه على أرضه، بمواعيد دقيقة مفصلية.

 

لكنّ السؤال متى يحين موعد اللّه عزّ وجلّ؟

يحين موعد اللّه عزّ وجلّ حين تكون مستعداً، أي أنّك اجتزت الاختبار ونجحت وانصعت وتهذبت روحك، ولم تعد متعجلاً نزقاً، تظنّ أنّك تستطيع أن تفعل ما تشاء وقتما تشاء، حينما تتخلص من غوغائية نفسك وطيشها، وتدرك أنّ لله عزّ وجلّ ميقاته، وليس ذلك فقط، بل وتحب ذلك الميقات الذي رسمه اللّه عزّ وجلّ، لأنّ ميقات اللّه عزّ وجلّ حين يجيء، يأتي اللّه بجميع ما تمنيت في لحظةٍ واحدة ومن حيث لا تحتسب، تمامًا مثلما قال سيدنا يعقوب عليه السلام: “عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا”.

وصلّى الله على سيّدنا محمّد يوم وُلِدَ ويوم بُعِث ويوم أسرى به ويوم جبر الله قلبه ويوم فتح مكة ويوم رحم أهلها وعلى آله وصحبه وسلّم.

شارك

مقالات ذات صلة