آراء
محمد علي شخصية مهمة، عرفتُه وأنا طالب في الصفوف الدراسية المصرية، وتعلَّمت في المدرسة أنّه مؤسِّس مصر الحديثة، وتعلَّمنا عن أهم إنجازاته، وعَلِقَ في ذهني بناؤه القناطر الخيرية. بقيت هذه الصورة في عقل الفتى في التعليم النظامي، ثمّ كبرتُ وتعلَّمتُ مِن كُتب التاريخ سرديةً مغايرةً لما تقوله كُتب المدرسة. هنا يأتي دور قراءة الكتب، التي تعرف منها رواية غائبة وحكاية منزوية وطريقة نظر نقدية مختلفة. قرأت كتاب المؤرخ خالد فهمي «كل رجال الباشا» في الجامعة وأنا طالب في كلية الآداب قسم التاريخ، وعرفت صورة مختلفة للباشا الكبير، صورة معاناة الفلاحين في جيشه، ومعاناة الأنفار الجنود من حملاته العسكرية، وفهمت نظرية التاريخ من أسفل، وزاد عندي الحس النقدي في قراءة مرويات التاريخ، وهل كانت حملات محمد علي من أجل مصر الحديثة أم في سبيل مجدٍ شخصيٍّ وتأسيس حُكمٍ عائليّ، لذلك انتظرت وترقبت كتاب خالد فهمي الجديد عن محمد علي.
عرفتُ كُتب خالد فهمي السابقة مثل «الجسد والحداثة.. الطب والقانون في مصر الحديثة» وكتابه «السعي للعدالة.. الطب والفقه والسياسة في مصر الحديثة»، وكتبت عنها في كتبي السابقة. أحاول الوقوف في هذه المقالة عند النقاط المهمة في كتابه الجديد المهم الذي صدر مؤخرًا بعنوان «ولي النعم محمد علي باشا وعالمه»، وقد كنت أترقب الكتاب منذ سمعت أحاديث فهمي عنه في البرامج والبودكاست.
في مقدمة الكتاب ينقل خالد فهمي وصفًا لشخصيّة قابلَت الباشا، ويخصّ شهادة بعينها بالأهمية لأنّ صاحبها لم يتخلَّ عن حقّه في إصدار حكمه النقدي على الباشا، بل نجح في أن يحتفظ لنفسه بمسافة يستطيع منها أن يتفادى سحر الباشا الذي أسرَّ به كثير من زواره ومحدثيه، مُمليًا عليهم ما يودّ هو أن يكتبوه عنه.
فكَّر خالد فهمي وهو يُعيد قراءة رواية الرحالة الإنجليزي الذي قابل الباشا وجهًا لوجه أنَّ هذا الرحالة قد نجح في ألا يقع أسيرًا في عرين العنكبوت -حسب كلمات رحالة إنجليزي آخر-، وهكذا تشجع فهمي لكتابة سيرة نقدية لهذه الشخصية الفذة، سيرة تُقدِّر لمحمد علي مكانته الفريدة وتثمن إنجازاته العديدة دون أن تنزلق إلى التمجيد غير النقدي أو الإعجاب المفرط.
يوضح فهمي في المقدمة صعوبات التأريخ لمحمد علي، وذلك بسبب طبيعة المصادر المعاصرة له، فعلى عكس لقاءاته العديدة مع الرحالة الأجانب، لم يكن من عادة محمد علي أن يتحدّث مع رعاياه المصريين أو أن يدعو خاصتهم للقائه. ولم تصل إلينا أيّ رواياتٍ عن مجالس دُعي فيها أيّ شاعر أو أديب أو عالِم من علماء الأزهر أو رجل من رجال الكنيسة، وبالتالي ندرت تلك المصادر التاريخية التي يمكن أن يعتمد عليها المؤرخون لتستبين منها طريقة تواصل الباشا مع رعاياه من أهالي مصر ووجهائها.
ولكن لحسن الحظ، ونتيجة لإدراك محمد علي أهمية حفظ مراسلاته وخطاباته، فإنَّ عددًا ضخمًا من مراسلات الباشا حُفظ بالفعل واعتنى خلفاؤه بحفظها وتبويبها وترجمتها من أصلها التركي إلى العربية. وكان للملك فؤاد دور محوري في هذا الموضوع، فقد سعى إلى إنشاء أرشيف ضخم في قصر عابدين يجمع فيه مكاتبات أجداده، وأهمهم محمد علي. عُرف هذا الأرشيف باسم «دار المحفوظات الملكية» وأصبح نواة لدار الوثائق القومية التي افتُتحت رسميًّا عام 1954.
خالد فهمي واحد من القلائل المحظوظين الذين سُمح لهم بالبحث في دار الوثائق، ولذا تمكَّن من أن ينهل قدرًا وفيرًا من المعلومات المتعلقة بفترة حكم محمد علي، معتمدًا على خطاباته ومراسلاته. وقد اعتمد بشكل خاص على مراسلاته مع أبنائه، وأهمهم ابنه المفضل طوسون باشا، الذي قاد حملة الحجاز لمحاربة الوهابيين واستعادة الحرمين الشريفين من قبضتهم وإعادتهما إلى السلطان العثماني. وابنه الأكبر إبراهيم باشا، الذي استكمل مهمة أخيه في الجزيرة العربية ثمّ ساعد السلطان العثماني في إخماد الثورة اليونانية في عشرينيات القرن التاسع عشر، قبل أن يقود جيشًا جرّارًا ليغزو به الشام.
هذه المكاتبات بين الباشا وابنَيه معلومات غنية وفريدة عن أفكار الباشا ومخاوفه وهواجسه، تحديدًا في أثناء مواجهاته مع السلطان العثماني ورجاله في إسطنبول. فضلًا عن ذلك، عاد فهمي إلى الأصول التركية لهذه المكاتبات، على الأخص عندما انتبه إلى أنّ كثيرًا من الترجمات التي قام بها مترجمو قصر عابدين أغفلوا تفاصيل قد تتعارض مع مقصد الملك فؤاد من تمجيد أجداده، فأُهملت عن عمدٍ ترجمة وثائق يذمّ فيها محمد علي رعاياه المصريين ويصفهم بأوصاف سلبية.
ألَّف فهمي كتابه عن محمد علي أصلًا بالإنجليزية، وبعد أن بدأ التفكير في ترجمة النصّ الإنجليزي إلى العربية أدرك أنّ الطبعة العربية لا يصحّ أن تكتفي بالنصّ الإنجليزي الأصلي كما هو، إذ إنّه كان موجهًا إلى القارئ الغربي غير المعني بكثيرٍ من التفاصيل التي قد يجدها القارئ المصري أو العربي ضرورية. ولذا أضاف كثيرًا من الأقسام وتشعبت التفاصيل. وهكذا أصبح النصّ العربي أكبر من ضِعف حجم النص الإنجليزي. أتى النص العربي بلغةٍ مشرقة وترجمة بارعة من محمد هوجلا كلفت.
أعجبني في الكتاب سَفَر خالد فهمي إلى مدينة قولة في اليونان، مسقط رأس محمد علي، ليعرف جذور الباشا، فقد وُلد محمد علي في هذه المدينة التي تنتمي إلى الروم إيلي، أي الشطر الأوروبي من الدولة العثمانية، في الربع الثالث من القرن الثامن عشر، وبالتحديد في عام 1769، وهو من مواليد السنة نفسها التي وُلد فيها نابليون، وكذلك وُولنجتون البريطاني الذي انتصر على نابليون، وكان محمد علي يفخر بهذه الصدفة التاريخية.
حياة محمد علي السابقة قبل رحيله إلى مصر في 1801 يكتنفها الغموض وقلّة المعلومات، يحاول الكتاب جمع ما يستطيع من معلومات لرسم صورة عن حياة وشباب محمد علي، وهو القادم من أصول متواضعة وبلا أيّ مناصب رسمية أو أعمال كبيرة تُنسَب إليه آنذاك، وهي سنوات وَصَفها محمد علي بأنها سنوات العراك والبؤس.
والد محمد علي رجل اسمه إبراهيم أغا ابن عثمان، والأرجح أنّه عمل رئيسًا لدرَك الطرق الرئيسية المؤدية إلى قولة. وبعض الروايات يَذكُر عمله الجانبي بتجارة التبغ، وأنّ محمد علي اكتسب خبرة بهذه التجارة من والده، لكن محمد علي كما يذكر كتاب «ولي النعم» كان يحبّ أن يركز لاحقًا على قوة إرادته وتحديه رفاقه في شبابه، فقد حكى لزواره أنّه في يوم من الأيام تحدّاه رفقاء اللعب في سباق تجديف لبلوغ جزيرة قبالة الشاطئ. وما إن انطلقوا، كلّ في قاربه، حتى هبَّت عاصفة عاتية أجبرتهم جميعًا على الانسحاب. أمّا هو فواصل غير مرتدع حتى بلغ مقصده. أراد محمد علي باستعادة هذه الحكاية إظهار عزيمته منذ شبابه المبكِّر.
نتعرَّف في كتاب «ولي النعم» كيفية مغادرة محمد علي قريته البعيدة في اليونان ليأتي إلى مصر، والسبب أنّ خال محمد علي كان واليًا في هذه المدينة، وتعب من بلطجة محمد علي وممارسته العنف في المشاجرات. وفي النهاية، اهتدى الخال إلى مَخرج ذكي، وهو إرسال محمد علي إلى مصر لتواجه الدولة العثمانية الحملة الفرنسية التي أرسلها نابليون بونابرت إلى مصر. كانت مصر ولاية مهمة للدولة العثمانية، فقد كان خراجها السنوي كبيرًا، فضلًا عن دور مصر في حفظ قوافل الحُجاج. طلب السلطان جنودًا من ولاياته للمشاركة في حملة لطرد الفرنسيين من مصر، وبهذه الطريقة اشترك محمد علي في هذه الحملة مع الأرناؤوط.
وصل محمد علي إلى مصر في 1801. كانت البلاد قد خرّبتها ودمّرتها الحرب المتواصلة ضدّ جيش الاحتلال الفرنسي، ومنذ تلك اللحظة دخل محمد علي في صراعات الحكم وتحييد الخصوم. ويشرح الكتاب قصة صعوده بين المماليك وكيف بدأت العداوة الطويلة بينه وبين خسرو باشا، وكيف أستطاع أن يطرح محمد علي نفسه بديلًا عن الولاة العثمانيين، ويشجّع المصريين على المطالبة بتوليته.
نَصِل إلى لحظة مهمة في مسيرة محمد علي. عام 1805 وجد محمد علي نفسه، وهو في الخامسة والثلاثين، الحاكم الشرعي لإحدى أغنى ولايات الدولة العثمانية، وهو الذي كان قد وصل إلى مصر قبل ذلك بأربع سنوات فقط غريب الوجه واليد واللسان، لا علم له بلغة الأغلبية، فلم يكن يتحدّث إلا لهجة تركية و«طشاشًا» من العربية. يوضح فهمي في سيرة ولي النعم أنّه بالإضافة إلى ذلك لم يكُن لمحمد علي راعٍ يرعاه ويشمله بحمايته ويكون ولي نعمته، وليس له في دوائر الحكم بعاصمة السلطنة ظَهْر ولا وساطة ولا شفيع، فهو رجل عصاميّ فعلًا، ترقَّى من جندي صغير ووصل إلى قصر الحكم بالدهاء والحيلة وتحييد الخصوم.
كان وَضْع محمد علي لا يُحسَد عليه؛ انسحبت فرنسا بعد الحملة على مصر، وانسحبت القوات البريطانية التي دخلت مصر لطرد الفرنسيين، ونجا من الاغتيال مع زعيمه وحليفه طاهر باشا، وطار ثلاثة ولاة عثمانيين متعاقبين وغادروا بخُفَّي حُنين وذهبوا كما أتوا صِفْرَ الأيدي، أمّا هو فمدعوم من الفرقة الألبانية، وثقة مشايخ الأزهر وتجّار المحروسة، ونُصرة عوامِّها، وأخيرًا قبول السلطان له، وهذا بيت القصيد، وإن كان قبولًا على مضض (ممثلًا شرعيًّا في إيالة مصر)، وهذه الشرعية من السلطان لا يمكن لمحمد علي تجاوزها، فشرعية محمد علي تنبع أساسًا من فرمان السلطان، فلا هو شريف من آل البيت ولا هو غازٍ فاتحٌ دانت له مصر بالسيف، فلا حَسَبَ ولا نَسَبَ ولا جاهَ ولا مال.
فكَّر محمد علي في التخلص من قوى ثلاث مهمة تهدد حكمه: الأرناؤوط، وتحالف المشايخ/التجار، وعوامّ المحروسة. أمّا الأرناؤوط الأشاوس، عَضُده منذ وصوله إلى مصر، فقد عبّأهم وسيَّرهم لمحاربة المماليك في الصعيد، وقد أضعف هذا المماليك أيما ضعف كما أنهك الأرناؤوط، ناهيك بأنّ محمد علي اغتنم فرصة الحرب الدائرة على الوهابيين فأرسل كثيرًا من هؤلاء الأرناؤوط ليَلْقَوا حتفهم في الجزيرة العربية.
وأمّا المشايخ فقد ضربهم محمد علي ضربة اقتصادية وقلَّص مزاياهم، فقد ألغى مسموح المشايخ، أي الإعفاءات الضريبية التي كان عديد من المشايخ قد تمتعوا بها بصفتهم ملتزمين، فانتزع أطيانًا ممن لم يسددوا ضرائبهم، وأخيرًا وضع يده على أراضي الرزق الإحباسية، أي المعفاة من الضرائب، التي كانت في الأساس وقفًا يُصرَف ريعه في صيانة المساجد والكتاتيب. مع نفي زعيمهم عمر مكرم إلى دمياط.
نتعرف من خلال كتاب «ولي النعم» خطوةً نفَّذها محمد علي بضربه شخصية شعبية أُخرى لها سطوة على العامَّة، «حجاج الخضري» ابن البلد صاحب الدور المشهود في أحداث 1805، فقد شنقه على السبيل المجاورة لحارة المبيضة، وهو رجل صاحب صولة وكلمة، وفي رأي الجبرتي أنّه قُتل مظلومًا لحقدٍ سابقٍ من الوالي وزجرًا لغيره.
واجه محمد علي بعد ذلك تحديًا جديدًا، وهو حملة بريطانية بقيادة فريزر. وقف العامَّة من المصريين أمام هذه الحملة وقضَوا عليها. ويُضيف الجبرتي مشهدًا دالًّا ذا صلة ينقله فهمي في سيرة محمد علي، فعندما بلغ محمد علي أنّ نقيب الأشراف مكرم بادر بتسليح الأهالي وأخذ يحثُّهم على الجهاد، استدعاه محمد علي إلى القلعة وعنَّفه قائلًا: «ليس على الرعية قتال، وإنّما عليهم دفع علائف العسكر ورواتبهم»، في محاولة مكررة من الباشا لتحييد العامة عن السياسة والأمور العسكرية واحتكار القوة بيده.
بعد تخلُّص محمد علي من منافسيه من المشايخ والعلماء وزعماء العامة، بقي أمامه أن يواجه التحدي الجاثم أمام إحكامه السيطرة، ونزوعه إلى الهيمنة والانفراد بالحكم، وهُم المماليك.
قرر الباشا أن يواجه المماليك في يناير 1807، عندما نوى إرسال ابنه طوسون لقتال الوهابيين، وهو ما سمَّاه يوم الموكب. وأرسل الباشا إخطارات إلى جميع أمراء المماليك، يدعوهم إلى القلعة ليشهدوا مراسم خلع قيادة حملة الحجاز على ابنه طوسون، دون أن يدروا أنّ هذا الوقت سيكون ساعة ذبحهم.
صعد المماليك في أُبَّهة عظيمة وتشريفات إلى الباشا في ديوانه بالقلعة، فصبَّحوا عليه وجلسوا معه حصة، وشربوا القهوة، وتضاحك معهم، وبعدها غادر الأمراء في موكب، وعبَروا من ممرٍّ ضيِّق يُفضي إلى المدينة في الأسفل، وبعد مرور المماليك ومَن معهم من بوابة بعينها، أمر الباشا بإغلاقها فحُبس المماليك في الممرِّ الضيِّق، ثمّ أمر جنوده بفتح النيران وعدم الإبقاء على أحد حيًّا. استمرَّ إطلاق النار ساعةً كاملة، ليُرديَ ما يربو على أربعة وخمسين من البكوات المماليك والكشاف والأتباع والأجناد، ثم بُترت رؤوس الجثث وعُرضت على محمد علي الذي كان قد آوى آنذاك إلى حرملكه. نُفِّذَت المكيدة الغادرة دون شائبة خطأ، وأُحيطت بالسرِّية القصوى.
هكذا فرض الباشا سيطرته على الثروة الزراعية والتحكم في التجارة مع أوروبا بأرباحها الطائلة، ونجح في وضع لبنة لثروته الخاصة، وقدَّم محمد علي رسالة إلى السلطان العثماني يشرح فيها حيثيات المذبحة، ويرى فيها أنّ أشقياء المماليك هم الذين أخَّروا حملته على الوهابيين، وأكد محمد علي للباب العالي ولاءه.
كان محمد علي يدرك أنّ كبار رجال الدولة في عاصمة السلطنة يشككون في ولائه، ويثيرون التكهنات حول استقلاليته. وقد نجح حتى ذلك الوقت في الحفاظ على شعرة معاوية بينه وبين السلطان، فيَدين له بالتبعية في العموم فيما ينفرد عمليًّا بالحكم. وقرر محمد علي تجريد حملة الحجاز، بقيادة ابنه، محاولةً لإرضاء إسطنبول وتبديد شكوكها فيه، وإثبات أنّه في حقيقة الأمر خادم السلطان المطيع كما هو متوقع من أي والٍ عثماني.
إلى جانب أهمية استرضاء السلطان بشنِّ حملات تحت رايته، كانت فرص محمد علي في البقاء السياسي بمصر تعتمد على تأسيس نخبة موالية، تحل محل الأرستقراطية القديمة التي كان قد محقها. وكانت عزوة محمد علي الجديدة هي أفراد عائلته الأقربين والأبعدين الذين استطاع الاستعانة بهم في إدارة مصر، وهكذا ظهر طوسون ابنه وإبراهيم باشا وغيرهما من شخصيات بارزة في العائلة.
دعا محمد علي عديدًا من أقربائه إلى المجيء والعيش في بلده الجديد، وانتهى الأمر بأن توافد الأعمام والأخوال والعمات والخالات إلى مصر أفواجًا أفواجًا، ومُنحوا مناصب مهمة وأُجْزِلَت لهم المخصصات وأُسكنوا السرايات.
وفي المحروسة، كان محتسب الباشا معروفًا بوحشيته في مواجهة أي مخالفات للضوابط المفروضة من قِبل الباشا، فقد عُوقِب التجار الذين يبيعون بضاعتهم بسعر أعلى ممّا حدده المحتسب، بشنقهم على باب زويلة، وعُلّقت العملات بأنوفهم، فقد بلغ محمد علي درجة كبيرة من تعنيف العوامِّ لأن سُوقة مصر لا يرتدعون، وكما قال محمد علي: «فلا بُدَّ لهم من شخص يقهرهم ولا يرحمهم ولا يُهمِلهم».
في الوقت نفسه، كانت خزائن الباشا تُملأ بانتظام، ولم يستغرق الأمر كثيرًا من الوقت ليشاع في سائر أنحاء الدولة العثمانية أنّ خزانة محمد علي تفيض بالمال. ومع ثروة محمد علي المتضخمة تمكَّن من تكريس النخبة التي أخذ يُكوِّنها في مصر، فقد استطاع شراء الرجال عبر العطايا السخية، ونتيجةً لذلك صار محمد علي يُعرف وسط أفراد هذه النخبة بـ«وليّ النعم»، وهو لقب جرت العادة على أن يحمله السلاطين العثمانيون ولم يُنسَب إلى والٍ من ولاة مصر من قبل. وسرعان ما أصبح هذا اللقب أحد أكثر ألقاب محمد علي شيوعًا، وأعزها على قلبه.




