آراء

قصف إيران للخليج هل أسقط البعض في اختبار الولاء؟

مارس 29, 2026

قصف إيران للخليج هل أسقط البعض في اختبار الولاء؟

كما تعلمون أنّ ظاهرة تعدد الولاءات تعتبر من أخطر ما يمكن أن نسميه بالانزلاقات الفكرية في عالم السياسة التي قد تهوي بالفرد في فخ “الانفصام القيمي”، حيث يتبعثر انتماء المرء وتتشتت بوصلته بين مبادئه وبين مصالح قوى إقليمية أو اعتبارات أيديولوجية عابرة للحدود تفرض أجنداتها الخاصة، وتكمن الخطورة الحقيقية هنا في “ذوبان” المعيار الأخلاقي واختلال موازين الحكم على الأمور، إذ يصبح الفرد هو من ينصّب نفسه حكماً أوحداً ومنفرداً يحدد الصح من الخطأ بناءً على مصلحة التوجه السياسي الذي يتبعه، وليس بناءً على المبادئ الإنسانية الثابتة أو مقتضيات السيادة الوطنية العليا التي يؤمن بها بالأمس، وهذا الانحراف الفكري يجعل المواقف متذبذبة وخاضعة للمزاج الحزبي أو الأيديولوجي، فتُمرر التجاوزات المؤلمة بحقّ الأوطان وتُشرعن الانتهاكات تحت مسميات “المصلحة الاستراتيجية” أو “وحدة المصير الزائفة”، ومتناسين أنّ الحقّ لا يتجزأ، وأنّ أمن الوطن وبقية الأوطان وثبات حدودها واستقرارها هي ثوابت مقدسة عند الآخرين، ولا يجوز إقحامها كأدواتٍ للمقايضة في صراعات المحاور الدولية أو الإقليمية التي لا ترقب فينا كعربٍ و مسلمين إلّاً ولا ذمة.

وقد تجلّت هذه الإشكالية بوضوحٍ صارخ في “الحروب الإلكترونية” المستعرة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث وقع صدامٌ حادّ في التوجهات بين كتلتين رئيسيتين: الأولى تمثل الشعوب الخليجية والسوريين الذين اكتووا بنيران التدخلات الإيرانية المباشرة وذاقوا ويلات ميليشياتها الطائفية، ويرون في أيّ اعتداءٍ على الخليج تهديداً وجودياً مباشراً لا يقبل التأويل. أمّا الطرف الآخر، فيتمثّل في (بعض)  الناشطين المهتمين بالشأن الفلسطيني وخصوصاً غزّة، والذين سقطوا في اختبار الولاء (في أعين الخليجيين) حينما تعلّق الأمر بالاعتداءات الإيرانية على الدول الخليجية، فبينما يرفعون شعارات العدالة لقضيتهم، نجدهم قد صمتوا أو باركوا تلك الضربات بحججٍ واهية تزعم أنّ دول الخليج” تتحمل تكلفة وجود القواعد العسكرية الأمريكية على أراضيها”، إنّ هذا التبرير يفتقر إلى أبسط معايير الموضوعية والأخلاق السياسية، إذ يُستخدم كذريعةٍ بائسة لشرعنة استهداف استقرار دول شقيقة وتهديد أمن شعوبها ومنشآتها الحيوية، وهو ما يثبت أنّ هؤلاء فضّلوا الولاء لـ”المحور الإقليمي” على حساب وحدة الجسد الخليجي والعربي، ممّا يشكّل طعنةً غادرة في خاصرة القضية الفلسطينية التي تضعف كلّما تشتّت العرب وتصارعوا لصالح أطراف خارجية.

لذلك فإنّ الواقع الراهن المرير يفرض على الجميع كخليجيين وسوريين وفلسطينيين وعرب ومسلمين وقفة مراجعة شجاعة لتحكيم، لغة العقل والسمو فوق الصراعات الأيديولوجية الضيقة التي لا تخدم في النهاية إلا القوى المتربصة بالمنطقة الخليجية خاصة، وبالمنطقة العربية عامة ، وإنّ الحكمة الحقيقية الآن تقتضي اليوم منابذة الطغيان، ورفض العدوان من أيّ جهة كانت، وبغض النظر عن مبرراتها، سواء كان عدواناً صهيونياً غاشماً يستهدف إبادة أهلنا في غزّة، أو عدواناً إيرانياً إقليمياً يسعى لتقويض استقرار الدول الخليجية  العربية تحت لافتاتٍ برّاقة وشعاراتٍ مخادعة، فلا يمكن لبنيان عروبي أو إسلامي أن يستقيم والولاءات موزّعة خارج الحدود، ولا يمكن لمن ينشد العدل لقضيته العادلة أن يبرّر الظلم والتغول والترهيب ضدّ جاره وأخيه، لذا يجب على جميع الأطراف العودة الفورية إلى المربع الأول والوقوف صفاً واحداً ضد المشاريع التوسعية التي تسعى لتمزيق النسيج العربي تحت عباءة الدين أو المقاومة المنقوصة، فاحترام الأوطان وصونها هو السبيل الوحيد لضمان قوة الموقف العربي واستعادة الكرامة أمام كافة التحديات الوجودية من القوى العالمية والإقليمية التي تحيط بنا من كلّ جانب.

شارك

مقالات ذات صلة