مدونات

حين سألني صديق عن القراءة

مارس 26, 2026

حين سألني صديق عن القراءة

الكاتب: محمد أبو نجد

أرسل إليّ صديقي ثلاثة أسئلة عن القراءة، وكان يريد مني جوابًا سريعًا قصيرًا. ولأنّ هذه الأسئلة وافقت ما كنت أودّ الكتابة عنه – عن تجربةٍ شخصية قد يجد فيها القارئ شيئًا من تجربته – آثرت أن أكتب هذه السطور مشاركةً ومنفعةً.

كيف أدمنت القراءة؟

درست، كما درس غيري، في نظامٍ مدرسي رتيب لا يحرّك العقل ولا يفتح للتفكير بابًا. عشنا كلّ صباح في ضيق متواصل من أيام الدراسة، نفرح فرحًا كبيرًا بالعطلات، ونتبرّم من أيام «العلم».
العلم؟ لم تكن المناهج تمنحنا الروح العلمية ولا الشغف المعرفي.

وأيًّا يكن ما مضى، فقد مررنا بقول العقاد: «أنا أقرأ لأعيش أكثر من حياة، فحياة واحدة لا تكفيني». لم يحرّك هذا القول فينا شيئًا آنذاك، ولم أكتشف دلالته الحقيقية إلا بعد سنين طويلة وقراءات متراكمة.

أمّا إدماني القراءة، فبدأ بفعالية عامة أُقيمت في نادٍ من نوادي مدينتي؛ كان الحضور جمًّا، والكتب تنتشر على الطاولات يمينًا وشمالًا. التقيت هناك بصديقٍ كنت أحسبه مثقفًا بسبب كتاباته على فيسبوك. أظهرت له رغبتي في البدء، فأرسل إليّ كتبًا غربية لم تكن مناسبة لمرحلة تكويني، فشرعت في قراءتها دون فهمٍ حقيقي، وأحدثت في تصوري نوعًا من الاضطراب.

وعرفت فيما بعد أنّ ذلك الصديق كان ضعيف الصلة بالثقافة الإسلامية. وأذكر أنّني عرضت عليه كتابًا عن السياسة الشرعية، فنظر إليه باستغراب وقال بثقة: لا توجد سياسة شرعية، ومن أراد السياسة فليتجه إلى الغرب.

تداركتني رحمة الله حين وقعت على كتاب للدكتور عماد الدين خليل أعادني إلى جادة الصواب؛ فأرسى في نفسي قاعدة لم أدركها من قبل: أنّ التأصيل الشرعي هو الأساس الذي تُبنى عليه القراءة، لا ما يأتي بعدها. وبعد أن استقر ذلك في نفسي، صرت أقرأ فيما أشاء بعين أوضح وميزان أثبت.

ويقول الرافعي – حين سُئل عن نوعية الكتب التي ينصح الشباب بقراءتها – قولًا يختصر ما عشته سنوات:

«كتب الآداب الدينية قبل سواها، فإذا استوفى الشاب منها قانون ضميره؛ فهو من بعدُ أبصر بحاجته، وليكن عربيًّا شرقيًّا، ثمّ ليقرأ ما شاء؛ فالمرض يجعل كلّ غذاء مرضًا، والصحة تجعل كلّ غذاء صحة».

بقيت أقرأ بشتات حتى استقرت الرؤية أخيرًا، وانتظمت القراءة، وعرفت فيما أقرأ وممّا أُعرض. وذلك من فضل الله.

وكيف غدت القراءة منهجًا لي؟

وممّا أذكره من أثر القراءة موقف واحد.

أذكر يوم ذهبنا لزيارة مؤسسة رائدة في موطني. عند الدخول بهرني المكان والناس والفكرة معًا – ثلاثة عوالم متداخلة كان مالك بن نبي يسمّيها: عالم الأفكار، وعالم الأشخاص، وعالم الأشياء.

كانت المؤسسة على قدرٍ كبير من النظام والجمال، وأفكار العاملين فيها راقت لي، وأعجبتني طريقة تفكيرهم وما أنجزوه. وكنت حديث عهد بهذه العوالم، فتمنيت آنذاك أن أعمل فيها أيّ عمل كان.

كان ذلك قبل القراءة.

وبعد سنين، ومع استمرار قراءاتي، وجدتني أفكر أن أشغل موقعًا مسؤولًا فيها – مديرًا، ولم لا؟

القراءة غذاء العقل وحياة القلب. وقد قيل قديمًا: من ذاق عرف، ومن عرف اغترف. وهي فوق ذلك –كما قال العقاد– ليست من الكماليات ولا من الرفاهية، بل هي فريضة.

وكيف تحدّيت الظروف التي تمنعني عن القراءة؟

إذا أدرك الإنسان أهمية القراءة حقًّا، فلن تبقى هناك ظروف. وأذكر هنا قصة حكاها الدكتور عبد الكريم بكار في كتاب تكوين المفكر، عن طبيبٍ يحاضر في الجامعة وله عيادة وأسرة، ومع ذلك خصّص وقتًا ثابتًا قبل نومه للقراءة، حتى صار متخصصًا في الأدب.

العائق أمام كثيرين ليس في «عدم وجود وقت»، بل في «عدم تقدير قيمته».

وللدكتور بكار كتاب صغير مفيد بعنوان القراءة المثمرة، يُستحسن أن يقتنيه كلّ قارئ ويرجع إليه بين حين وآخر.

وخلاصة ما وصلت إليه:
الظروف لا تنتهي، والوقت لا يتّسع من تلقائه، وما يتغير هو القرار – قرار أن تقرأ الآن، لا حين تفرغ.

شارك

مقالات ذات صلة