Blog

من “العسكرة” إلى “المهنية”.. فلسفة الرمز الإعلامي في سوريا

مارس 26, 2026

من “العسكرة” إلى “المهنية”.. فلسفة الرمز الإعلامي في سوريا

زاهر أكرم الحموي

لا يمكن فهم راهن الإعلام السوري دون إجراء جراحة نقدية للماضي القريب؛ فالعلاقة بين الإعلام والدولة في سوريا تمر بتحوّل تاريخي، ليس فقط في المسميات، بل في “العقد الاجتماعي” أيضاً؛ هذا العقد هو ميثاق ثقة جديد يربط الإعلامي بالجمهور، والمؤسسة بالحرية، ويستند إلى معايير الأداء المهني العالمي المعمول به في كبرى المؤسسات الصحفية الدولية

“الإرث الأمني” حين كانت الكاميرا بندقية

في حقبة النظام البائد، لم يكن الإعلامي “وجهاً وطنياً”، بل كان “برغياً” في آلةٍ أمنية ضخمة. كانت الحالة الإعلامية تقوم على:

  • التوجيه المباشر: حيث يُصاغ الخبر في المكاتب الأمنية والعسكرية قبل وصوله إلى غرفة التحرير.
  • إلغاء الشخصية: كان المطلوب من الإعلامي أن يكون “صدى” باهتاً لرأس النظام، يُمنع من الاجتهاد، ويُحاسب على نبرة الصوت إذا لم تحمل قدراً كافياً من “التمجيد”.
  • الولاء قبل الأداء: فُرضت معايير الاختيار بناءً على التقارير الأمنية، ممّا أنتج جيلاً من “المؤدين” الذين لا يملكون الكاريزما ولا المصداقية، بل يملكون فقط “صكوك الطاعة”.

“ربيع المؤسسات” إعلام الدولة لا الفرد

تنتقل سوريا اليوم بشكلٍ تدريجي إلى مفهوم “إعلام الدولة الضامنة للحرية”؛ وهذا يعني كسر القالب الأمني لصالح الحقيقة وما تقتضيه المهنية. 

في سوريا الجديدة، لا يطلب من الإعلامي أن يسوّق للدولة بالمديح، بل تضمن له “إطاراً واسعاً من الحرية”، إدراكاً منها بأنّ أقوى دفاع عن الدولة هو “الحقيقة” و”المهنية” من خلال ركيزتين أساسيتين:

  • المصداقية كفعلٍ وطني: حين يتحدّث الإعلامي بحرية، وينقد بمسؤولية، ويحلل بمهنية، حينها فقط تكتمل عملية بناء الثقة بين المواطن ومؤسساته الوطنية.
  • استعادة الإنسان: على الإعلامي أن لا يكون أداة، بل أن يصبح “شخصية مرجعية”؛ فالدولة اليوم توفر المساحة والحرية، وتتيح للإعلامي فرصة التعبير والإبداع ليصنع “كاريزما” وطنية مستقلة تلتف حولها الجماهير بعفوية لا بسلطة الإكراه.

“الرموز الوطنية” هندسة الوعي لا القطيع

إنّنا نعيش اليوم مرحلة “إعادة تأسيس الوعي الإعلامي”، حيث لم يعد الهدف مجرّد ظهور وجوه مألوفة، بل العمل جارٍ على تمكين “مرجعيات وطنية”.
هذا المسار ليس نتاج قرار إداري منتهٍ، بل هو عملية تطويرية مستمرة تفتح فيها الدولة السورية الأبواب لكل المبدعين لتقديم إضافاتهم ضمن نظام “استحقاق مهني” لا يحكمه إلا المهنية والكفاءة، كما شاهدناه في عددٍ من المؤسسات الإعلامية السورية التي أعيد إطلاقها،  ويرتكز هذا المسار على المحاور التالية:

  • الاحترافية كميدانٍ للمنافسة: التميز في الأدوات الصحفية ليس “ترفاً” إضافياً، بل هو المعيار الوحيد للبقاء والتأثير في معركة الوعي؛ فالدولة توفر المساحة والحرية، وعلى الإعلامي أن يثبت جدارته من خلال أدائه المهني الذي يتفوق به على حملات التضليل.
  • أنسنة الخطاب (صوت الشارع): العمل قائم الآن على تفتيت “اللغة الخشبية” الجامدة التي ورثناها عن الحقبة الماضية، واستبدالها بخطابٍ إعلامي مرن يقترب من نبض الشارع السوري، ويحوّل آلام الناس وطموحاتهم إلى محتوى رصين يعالج القضايا بصدق، بعيداً عن الشعارات الجاهزة؛ وبعد أكثرَ من عامٍ على البدء بإطلاق المؤسسات الإعلامية يمكن القول إنّ هناك شوطاً كبيراً قد قطع في هذا المسار.
  • المسؤولية الوطنية الواعية: الرمز الإعلامي الذي يتشكّل في سوريا الجديدة هو من يمتلك “بوصلة ذاتية”؛ فالدولة اليوم تضمن حرية التعبير كحقّ أصيل، وهذا يفرض على الإعلامي مسؤولية أخلاقية تجاه استقرار المجتمع وحماية مكتسبات التحرر. فالحرية المتاحة حالياً هي البيئة التي تنمو فيها الكوادر التي تحمي الوطن بوعيها واحترافيتها، دون الحاجة لرقابة فوقية أو توجيهات أمنية.
  • التطوير التشاركي: الباب ما يزال مفتوحاً، والساحة الإعلامية السورية اليوم هي “مختبر للابتكار”. الدولة تضع الأطر العامة والتشريعات الضامنة، وتترك المجال للخبرات الإعلامية لتبدع وتطور أدواتها، ممّا يجعل صناعة “الرمز الوطني” حالة من الشراكة الحقيقية بين المؤسسة والإنسان الإعلامي الطموح.

رابعاً: التحدي الرقمي وسيادة الرواية الوطنية في مواجهة التضليل

في ظلّ الفضاء الرقمي المفتوح، لم يعد التلفزيون الرسمي “جزيرة معزولة”، بل أصبح جزءاً من ميدان اشتباك يومي على الوعي. إنّ أكبر تحدٍ يواجه “سوريا الجديدة” اليوم هو حملات التضليل المنهجية التي تشنها أذرع داخلية وخارجية تسعى لتقويض منجزات الدولة الناشئة وهدم ثقة المواطن بمؤسساته عبر ضخ معلومات مشوهة أو تضخيم الأزمات العارضة.

الرد الاستراتيجي على هذا التضليل لا يكون عبر “البروباغندا” التقليدية، بل من خلال:

  • صناعة المؤثر المرجعي: إنّ وجود إعلاميين رسميين يمتلكون “حرية مهنية” واعية هو السد المنيع الوحيد ضد الإشاعة. المؤثر الذي يحظى بمساحة لنقد الظواهر السلبية ومعالجتها بشفافية، يكتسب مصداقية تجعل “الرواية الرسمية” للدولة هي المصدر الأول والوحيد الذي يهرع إليه الجمهور عند حدوث أيّ بلبلة رقمية.
  • سيادة الرواية بالحقائق لا بالعاطفة: مواجهة الأذرع التخريبية تتطلب إعلامياً قادراً على قيادة الرأي العام الرقمي بلغة الأرقام والمنطق والمكاشفة. إبراز الإيجابيات بصدق، والاعتراف بالتحديات بوضوح، يسحب البساط من تحت المضللين الذين يتغذون على أنصاف الحقائق.
  • ترسيخ صورة “دولة المؤسسات”: الهدف النهائي للمؤثر الرقمي في هذه المرحلة هو تحويل صورة “الوطن” من شعارات عاطفية إلى “حالة مؤسساتية وقانونية مرنة”. هذه المرونة كفيلة بإثبات أنّ سوريا الجديدة هي مشروع يتشارك الجميع في بنائه، وأنّ قوة الدولة تكمن في قدرتها على احتواء النقد وتصحيح المسار، وهو ما يفقد الأطراف الساعية للهدم ذريعة “التسلط” التي كانت تُمارس سابقاً.

إنّ التمسك بـ “الاحترافية كخيار وطني” هو الذي يضمن سيادة الرواية السورية، ويجعل من الإعلامي السوري “حارس الوعي” الذي لا يُخترق، والمدافع الأول عن استقرار المجتمع في وجه الفوضى الرقمية الممنهجة.

نحن اليوم نعيش مرحلة انتقالية كبرى، تعد سابقةً في حالة الإعلام السوري الرسمي والإعلام العربي أيضاً، نغادر فيها إعلام “التلقين” الذي استلبه النظام لعقود، نحو إعلام “الحوار” الذي تضمنه وتحميه مؤسسات الدولة السورية.
إنّ سوريا الجديدة، لا تحتاج إلى جيشٍ من “المادحين”، بل هي تفتح أبوابها وميدانها للنخب من الذين يقدسون الحقيقة ويحترمون عقل المتلقي.
إنّ المهنية هي بوابة العبور الوحيدة نحو استدامة استقلالية هذه المهنة، وستظلّ الحرية التي كان مهرها الكثير من الدماء والتي كفلتها الدولة الجديدة هي “البيئة الخصبة” التي ستُنتج رموزاً إعلامية تليق بسوريا، وتاريخها، وتطلعات شعبها نحو مستقبل تحرسه الحقيقة.

 

شارك

مقالات ذات صلة