Blog
زاهر أكرم الحموي
لا يمكن فهم راهن الإعلام السوري دون إجراء جراحة نقدية للماضي القريب؛ فالعلاقة بين الإعلام والدولة في سوريا تمر بتحوّل تاريخي، ليس فقط في المسميات، بل في “العقد الاجتماعي” أيضاً؛ هذا العقد هو ميثاق ثقة جديد يربط الإعلامي بالجمهور، والمؤسسة بالحرية، ويستند إلى معايير الأداء المهني العالمي المعمول به في كبرى المؤسسات الصحفية الدولية
في حقبة النظام البائد، لم يكن الإعلامي “وجهاً وطنياً”، بل كان “برغياً” في آلةٍ أمنية ضخمة. كانت الحالة الإعلامية تقوم على:
تنتقل سوريا اليوم بشكلٍ تدريجي إلى مفهوم “إعلام الدولة الضامنة للحرية”؛ وهذا يعني كسر القالب الأمني لصالح الحقيقة وما تقتضيه المهنية.
في سوريا الجديدة، لا يطلب من الإعلامي أن يسوّق للدولة بالمديح، بل تضمن له “إطاراً واسعاً من الحرية”، إدراكاً منها بأنّ أقوى دفاع عن الدولة هو “الحقيقة” و”المهنية” من خلال ركيزتين أساسيتين:
“الرموز الوطنية” هندسة الوعي لا القطيع
إنّنا نعيش اليوم مرحلة “إعادة تأسيس الوعي الإعلامي”، حيث لم يعد الهدف مجرّد ظهور وجوه مألوفة، بل العمل جارٍ على تمكين “مرجعيات وطنية”.
هذا المسار ليس نتاج قرار إداري منتهٍ، بل هو عملية تطويرية مستمرة تفتح فيها الدولة السورية الأبواب لكل المبدعين لتقديم إضافاتهم ضمن نظام “استحقاق مهني” لا يحكمه إلا المهنية والكفاءة، كما شاهدناه في عددٍ من المؤسسات الإعلامية السورية التي أعيد إطلاقها، ويرتكز هذا المسار على المحاور التالية:
في ظلّ الفضاء الرقمي المفتوح، لم يعد التلفزيون الرسمي “جزيرة معزولة”، بل أصبح جزءاً من ميدان اشتباك يومي على الوعي. إنّ أكبر تحدٍ يواجه “سوريا الجديدة” اليوم هو حملات التضليل المنهجية التي تشنها أذرع داخلية وخارجية تسعى لتقويض منجزات الدولة الناشئة وهدم ثقة المواطن بمؤسساته عبر ضخ معلومات مشوهة أو تضخيم الأزمات العارضة.
الرد الاستراتيجي على هذا التضليل لا يكون عبر “البروباغندا” التقليدية، بل من خلال:
إنّ التمسك بـ “الاحترافية كخيار وطني” هو الذي يضمن سيادة الرواية السورية، ويجعل من الإعلامي السوري “حارس الوعي” الذي لا يُخترق، والمدافع الأول عن استقرار المجتمع في وجه الفوضى الرقمية الممنهجة.
نحن اليوم نعيش مرحلة انتقالية كبرى، تعد سابقةً في حالة الإعلام السوري الرسمي والإعلام العربي أيضاً، نغادر فيها إعلام “التلقين” الذي استلبه النظام لعقود، نحو إعلام “الحوار” الذي تضمنه وتحميه مؤسسات الدولة السورية.
إنّ سوريا الجديدة، لا تحتاج إلى جيشٍ من “المادحين”، بل هي تفتح أبوابها وميدانها للنخب من الذين يقدسون الحقيقة ويحترمون عقل المتلقي.
إنّ المهنية هي بوابة العبور الوحيدة نحو استدامة استقلالية هذه المهنة، وستظلّ الحرية التي كان مهرها الكثير من الدماء والتي كفلتها الدولة الجديدة هي “البيئة الخصبة” التي ستُنتج رموزاً إعلامية تليق بسوريا، وتاريخها، وتطلعات شعبها نحو مستقبل تحرسه الحقيقة.
