آراء

هل ستجر إيران الخليج إلى المواجهة العسكرية؟!

مارس 19, 2026

هل ستجر إيران الخليج إلى المواجهة العسكرية؟!

حين يتأمل المرء المشهد الخليجي في هذه الأيام، يدرك أنّ المنطقة الآن تقف على مشهد لحظة مختلفة، لحظة لم يعد فيها مفهوم التوازن التقليدي قادر على تفسير ما يحدث، ولم تعد فيها لغة الدبلوماسية وحدها كافية لضبط الإيقاع السريع للأحداث، فقد اعتادت دول الخليج خلال العقود الماضية أن تدير علاقاتها الإقليمية بعقلانية عالية جداً، فنجد منهم التوازن بين المصالح وتتفادى الصدام، وتسعى إلى إبقاء الأبواب مفتوحة حتى مع الأطراف التي تختلف معها سياسياً، ومن بينها إيران، التي بقيت رغم كلّ التوترات طرفاً تُدار معه العلاقة بحذرٍ ووعي سياسي محسوب.

لقد حافظت دولة الكويت على علاقات متزنة مع إيران، قائمة على الاحترام المتبادل وتجنّب التصعيد، وكانت تدرك بحكم تجربتها السياسية أنّ الاستقرار في منطقة الخليج لا يُبنى على المواجهة المفتوحة بقدر ما يُبنى على تبني مفهوم “إدارة الخلاف”، وكذلك دولة قطر التي سعت إلى لعب أدوار الوساطة الفعالة وفتح قنوات للحوار السياسي، وسلطنة عُمان التي اختارت منذ سنوات أن تكون مساحة تهدئة في منطقة تميل بطبيعتها إلى الاشتعال، وهذا النهج الخليجي لم يكن ضعفاً بقدر ما هو قراءة استراتيجية عميقة لطبيعة الجغرافيا السياسية التي لا تحتمل المغامرات المجنونة غير المحسوبة.

غير أنّ ما حدث من استهداف مباشر لهذه الدول يُعيد طرح السؤال بطريقة أكثر حدّة، فالقضية لم تعد خلافاً سياسياً قابلاً للاحتواء، بقدر ما هو انتقال إلى مستوى عدواني توحشي يمس السيادة الخليجية بشكلٍ صريح، وهنا تتكشّف المفارقة المؤلمة، فدول الخليج التي سعت إلى منع الحرب وتخفيف التوتر تُقابل الآن بالقصف المروع، فقد حاولت أن تبقي خطوط التواصل مفتوحة مع إيران  فتُفاجأ بأنّ هذه الخطوط لم تمنع الصواريخ من الوصول الى عقر دارها.

فإن استهداف قطر أو الكويت والسعودية ودول الخليج لا يمكن قراءته كحادثةٍ عابرة عادية،  فهو مؤشر على تحوّل في سلوك إقليمي يتجه نحو فرض الأحداث بالقوة، وهو ما يضع دول الخليج أمام معادلة صعبة، فإمّا الاستمرار في نهج التهدئة مع جار خصم لم تعد يستجيب لها، أو الانتقال إلى مرحلةٍ جديدة تعيد تعريف مفهوم الردع والأمن.

وفي هذا السياق، يكتسب تصريح وزير الخارجية السعودي بأنّ الصمت لم يعد خياراً وأنّ الرد قد يتجاوز الإطار السياسي إلى العسكري دلالة عميقة، فهو لا يعبر عن موقف آني، بقدر ما هو انعكاس لتحوّل في التفكير الاستراتيجي الخليجي، تحوّل يدرك أنّ الأمن لم يعد يُصان بالنيات الحسنة وحدها، وأنّ حماية السيادة تتطلّب أحياناً مواقف أكثر صرامة.

فإذا كانت إيران تدرك طبيعة هذه المنطقة وتعقيداتها، فإنّ الإصرار على هذا المسار يدفع بدول الخليج إلى إعادة تموضعها، وما ذلك الا استجابة منها لواقع يُفرض عليها، فالواقع يجعل خيار الاتحاد والتكامل الخليجي ضرورة لا ترفاً سياسياً، فالتحدي الآن لم يعد يخص دولة بعينها، بقدر ما أصبح تحدياً جماعياً يمس أمن الخليج كمنظومةٍ واحدة.

شارك

مقالات ذات صلة